Home » اراء و مقالات » مصير مجهول

مصير مجهول

الأحد ٢٠٢٠/٠٧/١٩
هناء أدور…
بطاقتها تقرأ الآتي:
الاسم: عائدة ياسين مطر ، تولد: 1/7/1944 البصرة – محلة المشراق، تزوجت في العام 1966 وأنجبت علياً الذي لم يتجاوز عمره في صورتهما الجميلة العشر سنوات، والآن قد تجاوز الخمسين عاماً وغزا الشيب مفرقه، وظلت أمه في منتصف الثلاثينيات من عمرها، مازالت في عز شبابها. أليست مفارقة عجيبة؟

في رسالتها المؤرخة في 17/12/1979 كتبت لي: “…ثقي أنني دائمة الابتسام، لا أعتقد رآني أي شخص ومهما كان وضعي بغير وجه باسم. قلبي يتفطر ويقطر دمي ووجهي يبتسم من أجل أن أرفع هموم الآخرين، قوتي من روعة الآخرين ومن الحياة التي ينبض بها حزبنا ومن شعبنا الجبار…أحدثك الآن وعيوني تدمع ليس حزناً وإنما فرحاً ، أتذكر الوجوه المشرقة المتحدية في الشدائد، وأتصور الشموخ والمعنويات في محنتنا، كل هذا يشدني بألف ألف وثاق للحزب وللداخل بالذات. ولا أتصور أني استطيع مفارقة هؤلاء الروائع أنهم نبع الحياة الجديدة التي تنبض”.

وتتداعى أمامي صور من الماضي السحيق لسنوات ثورة تموز التي مثلت بوابة الأمل لأحلامنا الفتية، وأمام هذه البوابة تطل عائدة القائدة الطلابية المتميزة بشخصية مرحة وطموحة، تومىء لي مع ابتسامة عريضة على وجهها لم تنكسر حتى بعد الانقلاب المشؤوم في الثامن من شباط 1963 واضطرارها للاختفاء هرباً من ملاحقة الأجهزة الأمنية. تأقلمت على العيش في الصرائف وفي بيوت الفقراء، واستبدلت زيها المدني بلباس الفوطة والشيلة والعباية لإمرأة شعبية، وحين تراني تطلق ضحكة وتقول: شكلي بهذا اللباس حلو مو؟

أواصل قراءة رسالتها: “ربما تتصوريني مثل ماكنت في 63 “مخربطة ومبهذلة”. ثقي لم أتراجع عن أناقتي يوما واحداً، بل أبدعت في ذلك كأفضل وسيلة للتمويه. ربما من يراني يقول هذه المرأة لاهمّ لها سوى التفكير بأناقتها وترتيب نفسها. ليكن، ذلك أفضل لي على الأقل حتى أسرح بعض الوقت عما يشغلني ليلاً ونهاراً ويتعبني لحد لا أستطيع مواصلة التفكير ولا أستطيع الخروج بنتائج جيدة”.

تزداد حملة نظام البعث الدكتاتوري شراسة في 1980 في مطاردة الشيوعيين والعناصر الديمقراطية، وعائدة صامدة في بغداد بدون زوج وأبن، تحمل عبء مسؤولية قيادة التنظيم الحزبي، مختفية في بيوت الرفاق والأصدقاء، لم يفارقها الحلم وإيمانها بأفق مضيء قادم.

وبلهفة وقلق شديدين أفتح الوريقة الشفافة البيضاء لأطالع رسالتها المؤرخة في 2 تموز 1980: ” من قلب يئن بألم دامٍ أكتب لكِ رسالتي هذه وحملة شعواء تشن علينا من جوانب عديدة حتى أني عدت ليلة أمس لا أعرف ماذا أعمل ودموعي أبت أن تفارقني. سنتان ويضيع كل شيء؟ شعرت أني أيضاً يجب أن لا أبقى، لكن الإيمان بعدالة قضيتنا ألهمني الصبر، وساعدني على أن تكون لي نظرة شمولية للأمور، ودفع عني اليأس الذي انتابني للحظات. أرجو أن تقوموا بضجة كبيرة لانقاذ حياة المعتقلين المرفقة اسمائهم هنا وهم معدودين بالنسبة للمئات الذين لانعرف اسماءهم. إن حياة الجميع في خطر”. تضمنت رسالتها اسماء مناضلات وعائلة كاملة جرى اعتقالهم واسماء مناضلين جرى تسميمهم أثناء الاعتقال وتوفوا بعد إطلاق سراحهم.

أربعون عاماً مضت، ولا دليل عن مصير عائدة التي اختطفت يوم 15 تموز 1980 قريباً من قناة الجيش في بغداد، حالها حال العديد من المناضلات والمناضلين الذين جرى تصفيتهم بوحشية من قبل جلاوزة الدكتاتور ونثرت أشلاؤهم في مكان ما من أرض الوطن.

ولاتزال أم علي تراود مخيلتي، فأحدق في السماء بحثاً عن طيفها الحالم ووجهها الباسم، فتطل عليّ شابة في عنفوان شبابها تغني بصوتها الرخيم أغنية محببة عندها لسليمة مراد:

هذا مو انصاف منك غيبتك هلكد تطول الناس لو تسألني عنك شرد أجاوبهم شكول
** هەنێ جار لە ژیانماندا پێوێستیمان بە خۆ گێلکردنە.. گێلکردن لە رووداوەکان، لە کەسەکان، لە کردەوەکان، لە ووتەو قسەوقسەڵۆک.. بۆیە خۆت فێری گێلکردنی زیرەک بکە، هەڵبەتە هەمو شتێک پێویستیی بەوەستان خەمخواردن نییە!!!
** أحيانا في الحياة نحتاج الى تجاهل.. تجاهل أحداث، تجاهل أشخاص، تجاهل أفعال، تجاهل أقوال.. عليه عود نفسك على التجاهل الذكي، فليس كل أمرٍ يستحق وقوفك!!!

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*