Home » ثقافة » العراق على مفترق طرق

العراق على مفترق طرق

الإثنين ٢٠٢١/٠٤/٠٥
بقلم داليا عبد الكريم…
يتميز العراق جوهريا عن باقي دول الشرق الأوسط بخصائص تمنحه أهمية استراتيجية خاصة في العالم العربي.ان التنافس بين الولايات المتحدة الاميركية وايران قد حول العراق إلى ساحة أساسية للمواجهة وحلقة هامة في سلسلة الصراعات الدائمة في المنطقة.في الظرف الراهن ,لا يمكن عمليا تصور المواجهة الأميركية – الايرانية ومدى تأثيرها المباشر وغير المباشر على العراق,بالإضافة لما تعانيه من قضايا جدية مهددة لأسس الدولة.

لقد بدأت مشاكل العراق منذ عام (1920),حين اتخذت عصبة الأمم قرارا بتأسيس الدولة الهاشمية على الأراضي التي كانت جزء من السلطنة العثمانية, مقسمة بذلك العراق إلى مجموعات عرقية ودينية: سنة, شيعة و أكراد.

لم يكن يوما من الأيام إهتمام فرنسا, الولايات المتحدة وبريطانيا منصبا على بناء دولة عراقية متماسكة, ونتيجة لذلك ازدادت التوترات بين الجماعات العرقية والدينية بشكل مصطنع وقد وصلت إلى ذروتها في عهد صدام حسين. وقد استخدمت هذه التوترات كذريعة لتشكيل الخلاية الأرهابية الأولى للدولة الإسلامية كجزء من منظمة القاعدة و ذلك بعد مرور ثلاث سنوات على التدخل الأميريكي في العراق.

لاقت ايديلوجية “داعش” أتباعا تزيد عن عشرات المجموعات العسكرية- السياسية – السنية -العراقية التي بدأت باستخدام حرب العصابات والارهاب و رفض هذه المجموعات للتغلب الشيعي في مؤسسات الدولة.

ان التطرف السني المعارض في العراق و النمو السريع للنشاطات الإرهابية لـ “الدولة الإسلامية” قد زاد من مفاعيل الضغط الأمريكي وحلفائهم على العراق. اتباع سياسة التدخل العسكري من قبل واشنطن في العام (2003) واستمرارها حتى (2014) بالإضافة لإعلان “الخلافة الإسلامية” تكون قد أسست واشنطن لتجزئة أخرى للعراق.

ظهرت جليا في العراق تيارات انفصالية متأثرة بالخلافات القائمة بين المجموعات الدينية والعرقية, وبالأخص في المحافظات الكردية الأنبار و صلاح الدين التي ما زالت تسعى إلى تحقيق هدف الإستقلال عن بغداد الرسمية, كما تسعى محافظة ديالي حيث الأكثرية السنية إلى الإستقلال الذاتي عن السلطة المركزية, وبهذا فأن السنة والأكراد عمليا في معسكر واحد في إعلانهم عن حقوقهم الإستثنائية في بناء دولتهم الخاصة.

يعتقد العديد من الخبراء بأن تجزئة العراق لا زالت آفاقه قائمة وبالأخص في حالة كردستان العراق المدعومة ليس فقط من قبل المجتمع الدولي (الولايات المتحدة, بريطانيا, فرنسا وإيطاليا) لا بل من قبل مسؤولين كبار داخل البلد.

هذه التجاذبات دون شك تؤدي إلى زيادة التوتر في المنطقة وتتطلب إعادة النظر في العلاقات بين بغداد, طهران, أنقرة و دمشق, حيث تعيش الجاليات الكردية المؤثرة والتي تدافع عن فكرة الإستقلال وبهذا الخصوص ساهمت الولايات المتحدة الأميركية بدعم فكرة بناء دولة كردية موحدة. كما أكد الإتحاد الأوروبي رسميا بإنه لن يعيق طموح الأكراد بتأسيس دولة خاصة بهم. انطلاقا مما تقدم يمكننا ان نستنتج بأن عملية تحطيم الحدود القائمة حاليا في الشرق الأوسط والتي بدأت في العراق بدعم من المجتمع الدولي ستؤدي في القريب العاجل إلى صراع واسع في المنطقة, لذلك من الخطأ النظر إلى قضايا الأمن والإستقرار في العراق على أنها قضية عراقية بحتة بل لأهميتها بالنسبة للمنطقة عموما.

ان التيارات المتجاذبة تعكس إلى حد ما مفهوم اللاعبين من الخارج (ايران, السعودية, الولايات المتحدة وتركيا) الساعين إلى تحقيق مصالحهم وفي نفس الوقت فإن أتباع “الدولة الإسلامية” مهيأون للثأر مشكلين تهديدا جديا للحكومة المركزية, بالإضافة إلى الضغوطات من قبل التشكيلات المسلحة الموالية لإيران.

كما أن نتيجة هبوط أسعار النفط قد عقد الوضع أكثرحيث فقدت السلطة في بغداد القدرة على تنفيذ واجباتها الإجتماعية والسياسية الداخلية منها والخارجية, أعطت هذه الظروف قوة دفع للحركات الإنفصالية لتحقيق مشاريعهم الخاصة.

وتجدر الإشارة وإنه وبالرغم من غياب المنهجية في إتخاذ القرارات الإدارية ما قبل العام (2003) إلا أنه لم تكن هناك صراعات عرقية ودينية تذكر. يهيمن التيار الإسلامي الشيعي حاليا على المؤسسة السياسية, ومع ذلك فأن المعسكر السياسي الشيعي غير موحد. ما زال موقف حركة مقتدى الصدر قويا وثابتا بالعلاقة مع القيادة الإيرانية وفي نفس الوقت نجد أن “جيش المهدي” في علاقة متوترة مع “المجلس الإسلامي الأعلى” وجناحه المسلح “منظمة بدر”, مما يؤدي إلى صعوبة تحقيق الوفاق العراقي لتسوية الأزمة السياسية من خلال الآليات الدستورية.

من جهة أخرى تمثل القيادة الرسمية الحالية في بغداد المعسكر السياسي السني في البلاد, مع أن اللوبي السني في العراق يستند إلى دعم “مجلس الصحوة” والذي غالبا ما يعارض المركز, ولهذا السبب بالذات فأن الأكثرية من قيادات القبائل السنية أصبحت هامشية ولا تملك تأثيرا يذكر على السلطة في بغداد, بالأخص عشيرة النجيفي في الموصل, نتيجة لذلك فقد فشلت محاولة السنة بإعادة تشكيل القوى السياسية في العراق, ومع ذلك لم يؤثر هذا الوضع بخفض التطرف السني, الذي تم اختياره كوسيلة للضغط على المركز السياسي عبر الإحتجاجات في الشارع, رافعة شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” كشاهد على محاولة جديدة لـ”الربيع العربي”.

ومن الجدير ذكره في الأوضاع الحالية في العراق هو غياب قائد قادر على طرح برنامج سياسي يلبي رغبات كافة شرائح المجتمع العراقي ويعمل على تنفيذ إصلاحات هيكلية وليست سطحية. تملي حاليا الأجندة الأساسية في البلد غالبا شخصيات هامشية وهم غير مهتمين في الحفاظ على الدولة العراقية الواحدة.

هذا الوضع القائم يلبي مصالح اللاعبين الخارجين وفي المقام الأول الولايات المتحدة التي تستغل الأزمة السياسية لتعزيز موقفها في المنطقة. على الرغم من تصريح الرئيس السابق ترامب, فأن تعداد القوات الأميركية في العراق يبلغ حاليا أكثر من (150) ألف شخص وفي العام (2021) سيضاف إليهم (30) ألف شخص كحد أدنى مع العلم بأن تعداد الجيش العراقي يصل إلى (124) ألف شخص, (10) آلاف فقط منهم مناسبون للقيام بالمهمات القتالية. وإذا أخذنا بعين الإعتبار حقيقة وجود (50)ألف مقاتل في صفوف مقتدى الصدر فمن المنطق الإستنتاج بإن الجيش العراقي مرهون بالكامل بالشراكة الأجنبية بالرغم من التصريحات العراقية المناهضة للتواجد الأميريكي إلاّ أن الولايات المتحدة تعتبر الداعم الوحيد للقدرات الدفاعية للعراق.

مآل هذه الأوضاع لا يبشر بأمل الحفاظ على وحدة الدولة العراقية. إن السعي لفدرلة (فيدرالية) العراق في المدى المنظور, الهدف من هذا المشروع لا يتعلق بحل التعارضات العرقية والدينية, بل يتعلق بتهيأة الظروف الموضوعية لـ”إدارة الفوضى الخلاقة”.

من وجهات نظر خبراء أميركيين وسعوديين بخصوص مشروع فدرلة العراق يسمح بالمحافظة على علاقات متينة مع الأكراد و منح محافظة الأنبار الحق في الحكم الذاتي سيحاصر التأثير الإيراني عبر الحدود السورية.

أما العلاقة بين بغداد وموسكو فلها وجه آخر تنوي روسيا تقوية القدرة العسكرية للعراق عن طريق تقديم مساعدات وإستثمارات مهمة, وقد عبر عن هذا الموقف عدة مرات وزير الخارجية الروسي لافروف.يراهن الكرملين على القيادة العراقية تحديد خيارها لصالح التعاون مع روسيا, لما له من أهمية في ظل تغير إدارة البيت الأبيض التي تهدف إلى التدخل عسكريا مرة أخرى في العراق.

على ما يبدو فإن الحكومة الرسمية في بغداد تظهر رغبة عالية في تعميق الحوار البناء مع موسكو بهدف الخروج من الأزمة الإجتماعية- الإقتصادية والسياسية العالقة. الدافع الرئيسي لتطوير العلاقات الثنائية بالإضافة إلى ما تم ذكره أعلاه هو تأثير جائحة ((كورونا)), وقد سجل العراق نقاط ضعف عديدة بهذا الخصوص. يؤكد العديد من الخبراء في ظل العجز الإقتصادي والسياسي لبغداد, فالبلد مهددة ككل بالإنهيار في (2021) وعدم دخولها لعصر “ما بعد كورونا”. في هذه الظروف العراق بأمس الحاجة لتمتين العلاقات مع روسيا, المنقذ الرئيسي لإنقاذ الدولة العراقية.

ملاحظة/ جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كاتبها…

 

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*