Home » اراء و مقالات » الوضع العراقي والسيناريو الأفغاني

الوضع العراقي والسيناريو الأفغاني

الثلاثاء 2021/08/31
صادق الطائي…
مع الانهيار السريع للجيش الأفغاني وسيطرة حركة طالبان على أغلب مدن أفغانستان، تعالت الأصوات العراقية المتضاربة في شأن ما حصل، إذ ارتفعت أصوات العراقيين واحتدت تعليقاتهم على منصات التواصل الاجتماعي… وقد توزعت بين أصوات فرحة وشامتة بـ«الهزيمة الأمريكية» وهي تشاهد وتعلق على ما يحصل في كابول، وتشبهه بهزيمة الأمريكيين في سايغون عام 1975 وبشكل خاص مشاهد فوضى الإخلاء الأخير، التي أعادت إلى الأذهان الصور الشهيرة لما حصل على سطح سفارة الولايات المتحدة في العاصمة الفيتنامية. بينما من جانب آخر تناهب القلق بعض العراقيين، وهم يتوقعون أن ما حصل في أفغانستان، هو خطوة أولى لا بد أن تتكرر في العراق، نتيجة ترابط غزو البلدين وما حصل فيهما من خطوات أنتجت واقعا مترديا طوال عقدين.

نظريات المؤامرة روجت في الأيام القليلة الفائتة فكرة مفادها أن سيناريو أمريكيا مماثلا لما حصل في أفغانستان، تطبخه إدارة بايدن لتنسحب من العراق وتسلمه لـ«داعش» بينما رأى آخرون أن السيناريو سيكون مماثلا لما جرى في أفغانستان، إلا أن من سيستلم زمام الأمور هم البعثيون، وستهرب الطبقة السياسية التي حكمت منذ 2003 كما حصل مع الرئيس الأفغاني أشرف غني وحكومته وجيشه.

معطيات متشابهة بين الوضعين العراقي والأفغاني، سمحت برواج مثل هذه النظريات، ربما كان أهمها الانهيار السريع لقطعات عسكرية دربتها الولايات المتحدة الأمريكية، وصرفت على تسليحها المليارات، وفي ساعة المواجهة هرب الجنود المدربون المدججون بأحدث الآليات والأسلحة من مواجهة ميليشيات بائسة لا تحمل سوى الأسلحة الخفيفة، وتتنقل بسيارات تويوتا الحوضية، وذكرت مشاهد سيطرة رجال طالبان على المدن الأفغانية الواحدة تلو الاخرى، واستحواذهم على ترسانة الجيش الأفغاني بما حصل صيف 2014 في العراق، عندما هربت فرق عسكرية كاملة أمام عصابات مقاتلي «داعش» وتهاوت مدن شمال غرب العراق الواحدة تلو الأخرى بيد التنظيم الإرهابي، مثل أحجار الدومينو حتى وصلت قوات التنظيم الإرهابي إلى حدود العاصمة بغداد، كذلك كان انتشار الفساد الذي نخر المؤسسات في البلدين أفغانستان والعراق مشتركا بين التجربتين، إذ اتضح أن أرقام القوات المسلحة الأفغانية مبالغ في تقديرها، والغرض الاستحواذ على التخصيصيات المالية من مرتبات ومصاريف وأرزاق وتسليح، وهذا هو ما حصل بالضبط في الجيش العراقي قبيل عام 2014 عندما كشفت حكومة حيدر العبادي عن أكثر من 50 ألف اسم وهمي في الجيش العراقي عرفوا بـ«الفضائيين» إذ أن تشابه حالات الفساد العميق، وسيطرة الشعور باللاجدوى على الشارع في البلدين، جعلت المراقبين يتوقعون تشابها في المصائر سيحدث في المشهد العراقي لا محالة. إن كراهية الشارع العراقي لطبقته السياسية الفاسدة، من النهابين والقتلة، جعلت الكثيرين ينظرون بشماتة إلى ما قد يحدث في العراق، وفق السيناريو الأفغاني، بل يتمنون أن يحصل لهذه الطبقة السياسية ما حصل لمماثيلهم من الفاسدين في أفغانستان، من دون التفكير بالكارثة المقبلة عندما يسيطر الإرهابيون على زمام الوضع، وكأن من يتحدثون بهذه اللغة قد تناسوا ما حصل من كوارث في المدن التي سيطر عليها تنظيم الدولة (داعش) وتناسوا جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها هذا التنظيم الإرهابي.

انتشار هاشتاغ «المتغطي بأمريكا عريان» في منصات التواصل الاجتماعي العراقية، كانت له دلالات واضحة على اليأس والقلق الذي أصاب قطاعات واسعة من العراقيين، بعدما شاهدوا كارثة الانسحاب الفوضوي من أفغانستان، لكن الجهات الرسمية والحكومية العراقية كان لها رأي آخر، إذ حاولت بعض الشخصيات الرسمية تطمين القلقين من العراقيين بالقول، إن الوضع العراقي مختلف كليا عن الوضع الأفغاني، فقد صرح وزير الدفاع العراقي جمعة عدنان من موسكو، الذي كان يحضر مؤتمرا للشؤون العسكرية في العاصمة الروسية، بالقول، «إن طالبان لم تغادر البلاد بشكل كامل وبقيت تقاتل القوات الأمريكية والقوات الحكومية الأفغانية لأكثر من 20 عاما، وبالتالي فإن انسحاب القوات الأمريكية مكن هذه الحركة من الدخول والسيطرة على البلاد».

وأشار إلى أن «العراق يختلف تماما عن أفغانستان، وأنه لا يمكن مقارنتهما معا، وفي مقدمة هذا الاختلاف أن تنظيم الدولة الإسلامية هو تنظيم عالمي وليس عراقيا، وأن العراقيين المنسوبين لهذا التنظيم هم قلة قليلة، بينما الجزء الأكبر من هذا التنظيم من خارج العراق، مؤكداً أنه لا توجد جذور لهذا التنظيم في المجتمع ولا العشائر العراقية، وأن ما تبقى من التنظيم هم جزء قليل جدا لا يمتلك القدرة العسكرية ولا الإمكانيات ولا يشكل خطرا على البلاد». بينما كانت تصريحات وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين تبدو أكثر واقعية عندما علق على الأمر بقوله، «قلقنا حول ما يتعرض له الشعب الأفغاني ومستقبل الشعب الأفغاني، ولكننا أيضا قلقون من أن الوضع في أفغانستان قد يؤثر في المنطقة برمتها».

وأوضح أن «التغييرات التي حصلت في أفغانستان قد تساعد على إلهام هؤلاء الدواعش في المنطقة، أو فلول «القاعدة» أو العصابات الإرهابية الأخرى ليتصوروا أن هناك فرصة لهم، ولكن في العراق ليست هناك فرصة للإرهابيين».

ومن جانبه حذّر مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني من تشبيه الحالة الأفغانية بالوضع في الإقليم، إذ قال في بيان رسمي، إن موجة سياسية وإعلامية تعمل منذ أيام لبث القلق والإحباط بين أوساط الأكراد، من خلال المقارنة بين الإقليم وأفغانستان، وأكد أن «هناك اختلافا كبيرا بين الحالتين، وهناك اختلافا أكبر بين قوات البيشمركة الكردية التي وصفها بالشجاعة والقوية والجيش الأفغاني» والأهم من ذلك كله أن الأكراد «أصحاب إرادة وقضية».

بينما أشار بعض المتفائلين إلى أن الانسحاب الأمريكي من العراق تم فعلا، وقد ذقنا مرارة ما يحصل في أفغانستان اليوم قبل سبع سنوات، إذ أدى الانسحاب الأمريكي عام 2011 إلى تغول تنظيم «القاعدة» ومن بعده تنظيم الدولة (داعش) والنتيجة كانت كارثة 2014 ولولا فتوى الجهاد الكفائي ووقوف الحشد الشعبي بوجه التمدد الإرهابي لسيطرت «داعش» على العراق، كما سيطرت حركة طالبان على أفغانستان هذه الايام، وهذه الأصوات هي التي ترتفع مطالبة بإكمال انسحاب من تبقى من القوات الأمريكية، معلنة قدرة العراقيين على الوقوف بوجه الإرهاب.

بينما يرى المعترضون على الرأي السابق أن الخوف من تكرار السيناريو الأفغاني يكمن في إمكانية الفصائل الولائية المسلحة على ابتلاع مقدرات البلد في غياب الضمانات الأمريكية، إذ يبدو أن تنفيذ انقلاب على الدستورية والشرعية في العراق من الفصائل المسلحة أمرا يسيرا وقابلا للتطبيق وفق ما حصل من «بروفات» سابقة سيطرت فيها فصائل مسلحة في غضون ساعات على قلب العاصمة بغداد.

لكن من ينظرون بتأن وعمق للمشهد العراقي ما زالوا يعولون على توزع القوى وتفتتها بين عدة جهات هي: الجيش، وفصائل الحشد الولائية، وفصائل التيار الصدري المسلحة، والبيشمركة الكردية بشقيها الديمقراطي والوطني الكردستاني، بالإضافة إلى أنواع الفصائل المسلحة السنية، يضاف لكل ذلك العشائر المسلحة التي باتت لا تقل خطرا عن كل ما سبق من مصادر السلاح المنفلت في العراق.

بمعنى أن الداء والدواء العراقي يكمن في المعطى نفسه، أي أن لا جهة قادرة على الاستحواذ على المشهد كاملا، لكن ومن جانب آخر هذا الأمر يعني أن برميل البارود العراقي إذا ما اشتعل فتيله، لا سمح الله، فلن يعلم أحد مدى الدمار الذي سيولده تفجر الوضع محليا وإقليميا ودوليا، لذلك يعتقد من يمعن النظر في الواقع العراقي أن السيناريو الأفغاني ما زال بعيد الاحتمال عن الساحة العراقية.

ملاحظة/ جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كاتبها…

 

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*