Home » ثقافة » الخصومة في جدل البنية الفوقية السياسية:العراق انموذجاً.

الخصومة في جدل البنية الفوقية السياسية:العراق انموذجاً.

الأحد 2021/12/19
د. مظهر محمد صالح…
1- منذ نشأة الفكر الديمقراطي ، ظل الانصراف الى اصطياد الحقائق في بيئات اجتماعية تسودها الخصومات السياسية هو الجانب الاعقد في بلوغ مفهوم راسخ لادارة الدولة بالمُثل الديمقراطية دون مخاوف غامضة تفسد طوّية الناس في بناء ثقتها بمستقبل آمن دون جني ثمار عواقب صراعات سياسية وخيمة.

وبهذا السياق وفي ظل ازمة العالم الثالث السياسية عد الفيلسوف والمفكر السياسي الارجنتيني Ernesto Laclau المنتمي الى مدرسة مابعد الماركسية بمثابة الشخصية الاكاديمية المعاصرة التي اطرت مفهوم الخصومة في العلوم السياسية politics of antagonism .
والتي بداها في بحثه المنشور في مجلة اليسار الامريكي الجديد في العام ١٩٧٠ والموسوم :الاستراتيجية الامبريالية الارجنتينية وازمة مايس .وبالاشتراك مع زميله Chantal Mouffe في كتابهما المهم الموسوم Hegemony and Socialist Strategy
:Towards a Radical Democratic Politics, N .Y ,Verso 2001
طور Laclau اساس نظريته السياسية القائمة على (الخصومة Antagonism) وعدها متماسكة في بنائين متلازمين هما 🙁 اساس ) و ( حدود) الحياة الاجتماعية.ويرى المفكر الارجنتيني Laclau ان فكرة ( الخصومة) وفكرة ( الاعتراف) او الاعتراف بالخصم هما مبدئيًا متعارضان . فعندما تقدم فرضية التصادم بين الهويات السياسية التي لايمكن الاعتراف بها ، فان الكاتب يفترض ان ثمة اعتراف متبادل او مشترك . وبهذا المعنى الغى الكاتب كل اشكال الصراع التناحري عندما اطر مفاهيمياً (الخصومة السياسية ) مستبعدًا كل اعمال ابادة الخصم او الغاء وجود الاخر
2- خطاب الخصومة في الفكر السياسي العراقي المعاصر.
ا- لقد تصدى الكاتب والاكاديمي الاستاذ كاظم هاشم محمد في دراسته المنشورة في مجلة الفكر القانوني والسياسي الجزائرية في كانون الاول ٢٠٢٠ والموسومة: دور الخصومة في تكوين الخطاب السياسي العراقي المعاصر.

اذ ركز الكاتب على عامل الخصومة في تكوين الخطاب السياسي العراقي المعاصر عن طريق التعرف على خطاب التيارات السياسية العراقية الماسكة والمشاركة في السلطة، مفترضاً إن الخصومة السياسية أثرت بشكل كبير في خطاب التيارات السياسية العراقية المعاصرة، لدرجة أن خطابها أصبح خطاباً لا يمتلك هوية ثابتة، بل متغيرة، بحسب نوع وشدة الخصومة السياسية وهو بدوره ساهم في عدم وجود خطاب سياسي عراقي يتمتع بثبات نسبي. ولإثبات هذه الفرضية بما يتلاءم مع المقام، تم الاستناد الى دراسة واقع وخطاب التيارات السياسية العراقية، وتحديداً “العربية منها” في المدة الزمنية من (2005 – 2018)، معتمداً في تحليله على معايير أساسية،اولها :الظروف السياسية والاجتماعية، التي تفرض على التيارات السياسية تعديل خطابها وثانيها :شكل الاحزاب والتحالفات السياسية في كل دورة زمانية وانتخابية باعتبار ان هذا الشكل هو أحد نتاجات الخطاب السياسي والظروف الاجتماعية الحاكمة.
ب- اما المفكر الدكتور مزهر الخفاجي ،فقد تصدى لموضوع خطاب الخصومة السياسية في قراءاته الاخيرة التي جاءت بعنوان: الخصومة ….إحتراب …وشكل النظام السياسي المطلوب.اذ يتصدى المفكر الخفاجي الى موضوع سياسة الخصوم “Adverany politice” او الخصومة السياسية وهو المصطلح الذي كان يطلق على حزبين متخاصمين يتبادلان سدة الحكم ….او هو الذي يستخدم البرامج السياسية والدعاية الايديولوجية أثناء اجراء الانتخابات وبعدها….
وإن سبب هذه الخصومة السياسية يتركز في دوافع ثلاثة .
الأول :- الخصومات الايدلوجية بين هذه الأحزاب .
والدافع الثاني:- رغبة كل طرف في تمدد مبادئه وأفكاره لأكبر قدر ومساحة من الجمهور .
وثالثهما :- الشعارات والأهداف المرفوعة والأدوات المستخدمة في عملية التنافس …. هذه الدوافع هي التي تشكل ركيزة في الخطاب السياسي والخطاب المقابل لهذا الحزب او ذاك وتساهم في توسيع هوة الخلاف او الخصومة السياسية .

إن الخصومة والتي تحصد نتائجها بعد عملية الإنتخابات ستفرز لامحالة معسكرين …فائز ويشكل فوزه بنجاح الاغلبية التي تستلم مقاليد الأمور ….وأقلية خاسرة تتقبل نتائج التي حصلت عليها وتهنئ خصومها وتعد نفسها لشوط قادم من الخصومة او التنافس السياسي المشروع ولمراجعة اسباب هزيمتها واسباب نجاح خصمها .

وإذا ماقُدر لنا تعداد مساوئ الخصومات السياسية قديمها وحديثها في المشهد السياسي العالمي والعربي والعراقي ،إذا ماابتعدت عن مبادئ الديمقراطية الحقة ومالت في اساليب خطابها للتشهير والتشكيك في ادائها التنظيري او في اعتراضها على نتائج اللعبة الديمقراطية فأنها تكمن في
*زعزعة السلم الاهلي .
* تساعد كذلك على شيوع عدم الإستقرار الإقتصادي والإجتماعي كما ان الخصومات المريضة او التي يشوبها عوار الفهم القاصر للحرية وافراز تجربتها الديمقراطية والتي يقصدها الخفاجي هي النتيجة (رابح /خاسر ) المستمرة بين الاحزاب والتغيير السريع في حكوماتها ومؤسساتها المجتمعية بعد مايسمى بسحب الثقة من الحكومة او التسريع بالإنتخابات المبكرة .

كما ان الخصومات التي تعتل جسد الحركات السياسية وهي تتعاطى اسلوب التنافس الشريف… والتي تسقط في خطاب التشكيك والتخوين و تقويض عملية رسم السياسات …وهو ماتحرص عليه الحكومات المعاصرة اكثر من أي شيء أخر . وتسعى الحكومات الفائزة الى احترام ستراتيجيات الدولة وخططها قصيرة او طويلة الامد ولا يفوض فوز الخصم ان توقف الحكومات الجديدة مشاريع الدولة الكبرى التي تم التخطيط لها والتصويت عليها.

ان غياب الخصومة الممنهجة والتي تقع ضمن طائلة مخرجات العملية الديمقراطية لايشترط التغيير الحاد في برامج الحكومات (ستراتيجيات مالية ونقدية ) اذ ان التغيير الحاد او التخلي عن هذه المشاريع والبرامج او التلكؤ في تنفيذها ينعكس لامحالة على اداء مؤسسات الدولة وخدماتها ويوسع الهوة بين احزاب هذه الحكومات وجماهير الشعب على مدى مستقبلي .ويفقد ثقة الشعب بهذه الحكومات.

فالتغييرات الحادة من الخطاب الهادئ الى الخطاب الصادم او الخطاب الإشهاري الاصفر في الخصومات السياسية …يترك أثاره لامحالة على سمعة الرموز السياسية ويشغلها في احتراب لاطائل منه وقد ينعكس هذا الخطاب على الفعاليات التنفيذية والوزارات والتي ستنشغل بلاشك في الهجوم او الدفاع المضاد عن الدولة (طويلة الأمد وقصيرة الأمد ) ويجعل من خططها برامج انتخابية وستراتيجياتها السياسية والاقتصادية والتعليمية عبارة عن شعارات تسقط بعد سحب الثقة منها او التعجيل بأنتخاباتها المبكرة. فيخسر الاثنان الشعب الجهة المستفيدة ومؤسسة الدولة كجهة فاعلة …. وتتحول الزعامات والقيادات والخبراء الذين انشغلوا في التخطيط الى مجرد مهندسين معماريين بلا بيوت /اوطان مشيدة …وتتحول الوزارات الى مشاريع خاسرة ، لاتقدم ماهو مخطط ومعول عليها ، وان هذا الخبب في الاداء الحكومي قد يحول الدولة الى دولة فاشلة كما يقول (فوكا ياما) وتتحول شعوبها بالإتباع كما يقول (نعوم جومسكي ) الى فقراء تحت رحمة حكومات عميلة او فاشلة . إن استعار واستمرار الخصومات السياسية بعد اعلان حكم اللعبة (الشعب) نهايتها سينعكس لامحالة بالتالي على البرامج السياسية لهذهِ الأحزاب وسيختلط على رؤسائها وهم يعدون برامجهم السياسية بين مقدمات الهجوم الذي يحقق الفوز على الخصم وبين برنامج مُعد لبناء دولة …وبين خطاب يسوق مبادئ أحزابهم ومشروعهم وأهدافهم المتبناة لحكوماتهم القادمة.

وان الذي يزيد من الخسائر السياسية والاقتصادية والإجتماعية جراء الخصومات السياسية غير الواعية لخطابها السياسي وبرنامجها الحكومي وفلسفتها الايدلوجية …هي كثرة الأحزاب وازدياد خصوماتها وتشابه افكارها.

نعم لقد وجد الاشتراكيون في أوربا الأن صعوبة في ان يكونوا الاكثرية في المجالس النيابية كما ان الاحزاب التي تمثل جماعات إثنية لن تحقق مركز الأكثرية أبداً وبالتالي قد تنادي بسياسات تدعوا في خطابها المعارض لخصومها الى تعلية مفهوم المكون ، اللغة ، الطائفية القومية ، او الاستقلال الداخلي (الدعوة لبناء اقاليم ) (الفدرالية ) او محاولات الانفصال التام .

هذا الأمر هو الذي جعل الاحزاب الالمانية والأوربية وحتى الامريكية اللاتينية تذهب الى تأسيس الاحزاب الجامعة بسبب خسارة الأحزاب الايدولوجية والطبيعة المكوناتية او الجهوية .إن نجاح الاحزاب صاحبة شعار الوطنية الجامعة او الاحزاب الوطنية الديمقراطية وحتى الاحزاب الدينية الديمقراطية كما هو حال الحزب الديمقراطي الالماني المسيحي …جعلها تهتم بالمشاريع أي مشاريع بناء الدولة ، وادوات واساليب قيادة الدولة واشكال السلطة فيها .

فصار موضوع الخصومة السياسية اكثر عقلانية واعمق تأثيراً في الناس وفي المصوتين … وصارت عملية الخصومة اكثر مقبولية عند الأحزاب المتخاصمة وقياداتها وكوادرها وجمهورها السياسي لانها اعتمدت في خطاب الخصومة على احترام ثالوث (تصويت الشعب ، احترام القانون ، احترام قوانين اللعبة) (رابح وخاسر ) …. فلجأت هذه الاحزاب الى إختيار شعارات او برامج او استراتيجيات اقتصادية تشكل عنصراً في نجاح خطابها السياسي وتسويق بضاعتها القائم على اساسين :-
1- مساحة الدور التنويري في الخطاب الانساني لهذه الاحزاب ، الذي يستوعب حاجات الناس ، وينهض بالخدمة المقدمة لهم ويطور من مستواهم المعاشي ويشارك في نهوض هذا المجتمع او ذاك .

2 – قدرة الخطاب السياسي في رفع شعارات ورسم اهداف في البرامج الانتخابية والحكومية لتؤثر في قرارات تصويت الناخب وهي التي تحسم نتائج الفوز في الانتخابات . وتُعلي من التجربة الديمقراطية القائمة على الخصومة التي تنتج فكرة وستراتيجية وهدف ، يؤثر ويتأثر بالناخب .

فتظهر وفق هذين العنصرين براعة هذا الحزب او ذاك في ادارة خصومته وفي تقديمه لدفوعاته السياسية ورجاحة خطابه السياسي …

واذا جاز لنا ان نقدم نموذجين سياسيين لمفهموم الاحزاب الوطنية الجامعة كما يقول الخفاجي والتي حققت انتصارات مهمة ونجحت في إدارة خصوماتها السياسية ببراءة والشرف الوطني الحريص ونجحت كذلك في تغيير مسارها السياسي من العبثية الايدلوجية او من الطروحات الضعيفة او الطروحات الشوفينية ، فأننا نذكر على سبيل المثال لا الحصر كل من الحزب الديغولي في فرنسا ، او الحزب الديمقراطي المسيحي في المانيا .))
3- وبلاشك فقد قادني خطاب الخصومة في دراستي المفكرين العراقيين كاظم هاشم و مزهر الخفاجي كي استنتج بنفسي مايمكن ان يؤول اليه خطاب الخصومة من مركبات سياسية في البنية الفوقية للبلاد ،ان المقالين في عمقهما المفاهيمي يشكلان معترك صناعة الديمقراطية وجمع تجارب العالم المريرة الصعبة في تحليل (ظاهرة الخصومة )في مساراتها الديمقراطية بالتجربة العراقية المريرة الاكثر صعوبة والاشد هشاشة.

فصراع الديمقراطيات في بلادنا وخصوماتها هو صراع خصمه مكوناتي /اثني بالاساس ومتعدي للظاهرة الوطنية وتجمعه روابط ضعيفة في تشكيل بنية سياسية موحدة ظاهريا و تجده منشطراً في تفاصيل ايديولوجيته وجزئياته في ادارة الدولة وتنتهي القوى المتخاصمة ديمقراطيا بشتات دكتاتوري جمعي .فتقاسم النزعة الدكتاتورية عبر صناديق الاقتراع الديمقراطي هو ما نلمسه اليوم من خصومات بين المكونات الحزبية ، ويعد نمطاً سياسياً مستحدثاً لدى البعض باشباه الدكتاتورية المقسمة التكوين وهو وريث (الدكتاتورية الفردية )ولكن جرى تعديل هذا النمط (هجينيا )تحت مسمى (التقاسم الدكتاتوري الجمعي او التوافقي ).

اذ يجرى تقسيم قوة السلطة باسلوب ديمقراطي بين المكونات المذهبية والاثنية لاعادة التشكيل السياسي المهيمن نفسه بصورة دورية مع اضافات وحذف ممثلين جدد لا يغيروا من معادلة التسلط المحاصصاتي شيئاً ،انها ( الدكتاتورية التوافقية) . فالنظم الدكتاتورية المتوافقة ديمقراطيا هو اسلوب سياسي مستجد في العالم الثالث وياتي بتسليط قوى مكوناتيه تتقاسم السلطة بينها وتجدد ثوبها دورياً بعد موجات تخاصميه لاعادة ترتيب دكتاتورياتها داخل المكون الواحد ليتاح جمعها ديمقراطياً ( جمع تكسير ). اذ يبقى دور النتاج الديمقراطي للتخاصم المركزي (على اساس مكوناتي او اثني )عابر للوطن والمواطنة والوطنية ذلك على وفق مقتضيات تقاسم قوة السلطة بينها . وان قاعدتها الشعبية هي من صلب كوادرها ومنتفعيها من القوى المعتقدية اللصيقة بالسلطة وتتعايش على محتوياتها الاثنية او المناطقية او المذهبية . (فالمعارضة ) هنا كخصم ديمقراطي بات شيئاً زائدا ،فهي بواقي عامة الناس ممن يحمل الهوية الوطنية خارج تقاسم (اللعبة الدكتاتورية ) وبهذا لاوجود اساساً للمعارضة داخل السلطة التشريعية او اي سلطة صانعة للقرار ضمن التجمع (الدكتاتوري التوافقي )ذي الالوان الثلاثة المتوافقة لمرحلة مابعد الخصومة السياسية.
4- اذ يتصدر الخطاب الفلسفي للخصومة في مدرسة علم النفس السياسي في العراق المفكر الدكتور فارس كمال نظمي ، في بحثه الاخير الذي اخذ عنوانا نصه ( لا انقلاب في الموازين السياسية العراقية والمنظومة لن تتشارك مع «الجيل التشريني»)

اذ يرى الاستاذ فارس نظمي من جانبه بالقول: اعتقد أن هذا الصراع او (( الخصومة ))لن تنتج عنه حرب بين هذه الجماعات، لأنها في النهاية ستجد طريقة للتوافق عبر تنازلات متبادلة وتبادل المكاسب وتوزيع المناصب كما حصل في المرّات الماضية. أما خطر الاقتتال الداخلي، فلن يأتي من الصراع على الأصوات الانتخابية بين النخب الحاكمة، إنما من رفض النظام السياسي التنازل عن جزءٍ من أسهمه السياسية لصالح القوى الجديدة التي نشأت، خصوصاً في الإطار الجغرافي والديموغرافي الشيعي، وأن يُشركها في عملية اتخاذ القرار ليكون لها حضور في الإطار العام للدولة وفي الإطار المدني، عندها سنذهب إلى موجات احتجاجية وربما عُنفية قد تقود إلى حالة من التفكّك في بعض المحافظات بين قوى السلطة التي لا تريد التنازل عن أي شيء وبين المجتمعات المحلية الثائرة أو المحبطة التي تريد أن يكون لها دور في هذا البلد، وأن تحصل على حقها من الثروة الوطنية المسروقة منها.
5- من جانبي ارى شخصياً ان خطاب الخصومة في متبنيات المنظومة السياسية المختلفة في العراق وقدرتها على الاصلاح واستقرار البنية الفوقية الادارية والسياسية للدولة وعلى وفق رؤية المفكر فارس نظمي في تصديه لموضوع خطاب الاصلاح فهي ، تصب كما ارى من اطروحته التحليلية الثرية التي انصبت في موضوع الإصلاح الوظيفي وليس التغير الراديكالي، هي عين المنطق والنتيجة المستخلصة في تفكيك حياة سياسية متعشعشة صعبة المطاوعة بالأدوات الديمقراطية عن طريق الصناديق الانتخابية الكثيرة الجدل.

فالنظام قام على انقاض دكتاتورية عميقة ازيلت بمعاول الاحتلال لتؤسس هذه الهرمونية السياسية الثلاثية المعقدة ويصادق المجتمع الدولي عليها في تقاسم نظرية الجابري ( الغنيمة والعقيدة والقبيلة ) وهي مصفوفة مركبة في تفسير النظام العربي السياسي القبلي ولكن بثوب عراقي مختلف التركيب ذاتياً اي تركيب البنيات الثلاثية ( طائفتان – وعرق) انه مركب ثلاثي العُقد في تقاسم الوليمة السياسية ( power sharing).
6- خطاب الخصومة السياسية والراكب المجاني .
ا- يحصر المفكر السياسي ابراهيم العبادي نتائج الخصومات السياسية لمرحلة مابعد الانتخابات والتي نشرها في عمود مهم وحمل عنوانا لاهبا : (( مستقبل العراق بعد الانتخابات)) وهو يتنبا قائلا:
يحث الكثير من القادة السياسيين والمسؤولين التنفيذيين في العراق ،جمهور الناخبين على المشاركة الواسعة في الانتخابات ،فبدونها لن يحصل تغيير طفيف أو متوسط في الخريطة السياسية داخل مجلس النواب ،ولن تتزحزح قوى (تقليدية )عن مواقعها ،بحكم قدرتها على التحشيد وضبط جمهورها الانتخابي لاعادة انتخاب مرشحيها .

المعركة الاهم في العراق ستكون الكيفية التي يستجيب فيها الجمهور للحدث الانتخابي ، فالمتوقع ان تغييرا محسوسا لن يحصل في (احجام )الكتل الانتخابية مقارنة بانتخابات عام 2018 ،وستحافظ القوى التقليدية المتنافسة على وزنها السياسي مع تراجع لبعض الكتل الصغيرة لصالح الكتل المسلحة ،فابرز ميزات التنظيمات والتشكيلات السياسية العراقية انها تعيش الحالة اللبنانية بكل تعقيداتها ،فمامن جماعة سياسية الا ولها ذراع عسكري مشرعن بغطاء حكومي وبحكم الامر الواقع باعتبار ان (الارهاب والاحتلال) مازالا يقفان خلف دوافع اللجوء الى الاحتفاظ بالسلاح لمقاومة (المحتل)وتحسبا للحظة ارهابية تعيد زمن عام 2014 وماقبلها ، خصوصا بعدما نجحت طالبان في العودة الى السلطة بعد عشرين عاما من القتال الضاري ،هذا هو محور الاستراتيجية والتكتيك الذي تستند عليه قوى المقاومة والتي جعلت مهمتها المقدسة (حماية الوطن) ، وهذه القوى تعتمد على جمهور تكوّن وعيه السياسي بمقولة المقاومة ،مقاومة مشروع الاحتلال ومقاومة مشروع الارهاب بمعنى ان جوهر وجودها يستند على الضد النوعي ،فمتى مازال خطر الارهاب الذي هو ناتج من نواتج مشروع الاحتلال ، حسب تحليل منظومة الوعي هذه ، يومذاك ستتغير الاستراتيجية والتكتيك ، وتتحول هذه القوى الى احزاب سياسية تفكر بالدولة واستحقاقات وشروط نموها وتطورها ، وهذا الوجود السياسي يستحوذ على حيز مهم داخل الوسط الشيعي وله ادواته التنظيمية والاعلامية الفاعلة ، اما الاحزاب التي ترفع شعار بناء الدولة وتريد اعادة قوتها وهيبتها ، فانها لن تجد جمهورا كبيرا يصوت لها ،فهي لاتفصح بما فيه الكفاية عمن يهدد الدولة ويحول دون بنائها وعودة قوتها وهيبتها ،فاذا كان الاحتلال والارهاب هما اقوى هذه التحديات ، فليس ثمة مسافة سياسية كبيرة بينها وبين القوى التي تتعكز على سلاح وايديولوجية المقاومة وبالتالي هما يعولان على نفس الجمهور وذات الناخب المعبأ ،واذا كانت التهديدات ذات طابع بنيوي -فكري -سياسي -اقتصادي -اخلاقي ،فعليها ان تضع خريطة طريق واضحة لتخاطب جمهورا غير جمهور الدفاع والثورة والمقاومة ، اما من يرفع شعار الاصلاح ،الاصلاح السياسي والاقتصادي ،فانه يفتقد لخريطة طريق اصلاحية واضحة الخطوات والاهداف، فهو غير قادر على اقناع فئات جديدة خارج جمهوره (كتلته الصلبة) من اجل ان يفوز بسباق المسافات الانتخابية ويصبح كتلة كبيرة قادرة على التوافق مع الكتل السنية والكردية(المتوافقة على الاصلاح) لتعديل اوضاع البلاد وفقا لخريطة الاصلاح المقترحة .

مصير الانتخابات ودورها في تغيير الحال المشبع بالازمات ، رهين الى حد كبير بصوت الناخب الشيعي الذي انشطر بين قوى ترفع شعار التغيير انطلاقا من منصة تشرين ومسالكها المتشعبة ، وبين القوى المضادة لها او المتعاطفة مع بعض شعاراتها ، وهي القوى التي تسيدت مشهد الدولة طيلة سنوات مابعد 2003.

يمكن القول ان التغيير النسبي منوط بمشاركة جيل من الناخبين مقتنع بالمشاركة ومصر على إحداث التغيير ،وهو جيل لم يتبلور سياسيا وتنظيميا بعد ،بل ان قصورا كبيرا في الوعي السياسي يعطل هذا التغيير بسبب سيادة اوهام سياسية كثيرة من اهمها اليأس من التغيير ذاته ،وعدم الثقة بالنفس وبالعملية الانتخابية ،وانتظار تغير الاحوال بطريقة لامرئية او غيبية او غير ذلك ،عليه لايمكن القول ان انتخابات العراق عام 2021 ستكون تاريخية ومصيرية ،كما انها لن تكون نافذة للخروج من حالة (التوازن السياسي) الذي يعطل السير بأحد الخيارات المطروحة ،ستتمكن القوى التي ادارت السلطة والدولة من اعادة انتاج نفسها مرة اخرى، وسيجمع البرلمان القادم قوى محافظة وتقليدية همها الاول المشاركة في السلطة ،بزعم دعم وفرض افكار الاصلاح والمقاومة ومواجهة مشروع الارهاب المستوطن في العراق ،اما المشكلات البنيوية وبالاخص الاقتصادية ومايتفرع منها فانها لن تكون محور التفكير والدعاية الانتخابية ،وهو ماسيعيد انتاج ازمات العراق السياسية والامنية والاجتماعية نتيجة للمعضلة المركزية ،معضلة بناءدولة الخدمات والمنجزات ،فمادام الانقسام يعطل الارادة الوطنية في مقاربة الاولويات والمشكلات بوعي جديد فان التغيير المنشود لن يكون مرئيا في هذه المرحلة.

ب- شخصيا ارى فيما تنبأ به المفكر السياسي ابراهيم العبادي (في موضوع مستقبل العراق بعد الانتخابات وبشكل مبكر) يؤكد بلاشك ان الخصومات السياسية تولّد نمطاً من :(((الراكب السياسي المجاني )))

فباستثناء الانقسام الطائفي الاثني في الساحة السياسية القائمة ، فان القوى السياسية التي لها الاغلبية واقصد الجمهور السياسي الشيعي وهو من سيحسم التغيير الديمقراطي القادم وبوصلة الاصلاح ان وجدت .فالشارع السياسي الشيعي المهيمن اليوم مازال يعيش ضغط قوى اللادولة المسكونة بهاجس الارهاب والنمط الافغاني من جهة ومسكونة بمعادلة الصراع الايراني الامريكي وافرازاتها على اقليم الشرق الاوسط بالدرجة الاساس من جهة اخرى. فمازالت ترى القوة الشيعية الشعبية ان التهديد الوجودي قائم ومستمر من حيث التعبئة النفسية لدى الناخب الشيعي كاغلبية سياسية ، والمسكون بهاجس الخوف من المجهول واللاستقرار، فهكذا فان الغلبة ستبقى للتيار الشيعي التقليدي المدعوم شعبيا بهواجس حماية الوجود الذاتي بجعل الدولة تحت نفوذ وبوصلة قوى اللادولة لكي تستقر الادوار السياسية للاربع سنوات القادمة وبالموديل السياسي المزدوج التكوين بين الدولة واللادولة مع مثبتات توازنية وهي المحاصصة للكرد والسنة والقبول بالامر الواقع الفاسد والتربح على حساب التنمية والمال العام بكون الفريقين السني والكردي وقوى اللادولة هي الراكب السياسي المجاني political over rider وهذا ما ستؤول اليه نتائج الانتخابات البرلمانية المقبلة.)))

وثمة مقاربة ربما قد تجعلني قريب من فكرة (التغيير الوظيفي) من فكرة (التغير الراديكالي ) التي نوه عنها المفكر فارس نظمي بعمق رائع في بحثه التشريحي ولاسيما فكرته بين نوعي التغيير .اذ استمر حواري مع المفكر ابراهيم العبادي عندما اجبته بالنص(((فنزاهة الصناديق الانتخابية وسير الواقع السياسي بثوب ديمقراطي آخر يحمل رياح التغيير سيجعل من القوى التقليدية امام الامر الواقع وقبول التخاصم اللفظي اذا ماوجدت لنفسها فرصة مواصلة نفوذها المتأصل حتى وان كان جزءيا في ادارة مقاليد الدولة. وعلى العكس فان حرمان تلك القوى وتجريدها من نفوذها السياسي الكامل ولاسيما في العراق العربي سيضع الحرس القديم امام فرصة الخصومة السياسية لتصبح بمستوى تناحري بتوليد سلاسل الاضطراب في سيناريو خطير من اللاستقرار وشبه الفوضى واختراق القانون .ومالم تضبط معايير تمردها فستجر البلاد الى حياة من اللاديمقراطية والتنازع وتعطل التنمية السياسية الى امد غير معلوم يتمترس فيه امراء القوة بمصالح ستبقى تصطدم مع السلم السياسي وبناء الوطن بمعايير فاقدة للسلام والتنمية والديمقراطية)))) وهنا كنت اقصد ( التغيير الوظيفي) وليس ( التغييرات الراديكالية) في المصفوفة السياسية الثلاثية المركبة (صفوفها)rows بقوى تقليدية من الحرس القديم اي السنة والكرد والشيعة واعمدتها columns (الغنيمة والقبيلة والمعتقد)) .
ذلك في حياة العراق السياسية المعقدة التركيب مثلما هي معقدة في تشكيلات زبائنيتها وتخادماتها وفسادها.
7- واخيراً ،في بلدان يؤسس نظامها السياسي على قوة التنوع القومي والمذهبي (المتصلب ) كبديل عن البنيان والتمثيل الوطني ذي (المرونة) النسبية ،تبقى خيارات البناء السياسي عالية التخندق والخصومة في معسكرات الانعزال السياسي في الدولة الهشة وتبني توافقاتها على اساس فرض ارادات المؤسسات الممثلة للتنوع كبديل عن مؤسسة المواطنة في هياكل الدولة المستحدثة خلاف اي تطور ديمقراطي يتطلب التنازل الجزئي وقبول البعض للبعض، وتعد مثل هذه النماذج ،في تاريخ التطور الخطاب السياسي للامم ،الاخطر لافتقارها لعنصر (المساءلة السياسية والاجتماعية) .انه بناء اقيمت (ديناميكيات )حياته السياسية على ثقل التوازنات المكوناتية (الاستاتيكية) وليس المواطنية ما بيجعل تخندقها و تخاصمها داخل تمثيلها السياسي الاثني او المذهبي في مركبات النظام السياسي هي الاساس في العمل السياساتي .انها دولة (مؤسسات الطوائف )البديل عن (دولة المؤسسات الوطنية) .انها احد اخطر النماذج في سرعة التفكك لفقدانها عنصر المساءلة الناجم عن هشاشة التوافق او التوازن ازاء التصرفات السالبة السائبة بين تعدد وتنوع المؤسسية الاثنية او المؤسسية الطائفية وقوة تصلبها . فطالما الجميع يسبح في فضاء سياسي مفتوح عابر لقيد المواطنة ،فثمة غلبة لظاهرة التنمر السياسي لبعضها البعض في صراعاتها غير التناحرية ابتداءً ووصولاً الى الاقتتال والتفكك التناحري اذا ما تطلب الامر في نهاية المطاف العودة الى خنادق العزلة و التخاصم المستمر ولخطاب آخر متجدد متوجاً باستمرار انموذج دولة مؤسسات الطوائف وليس دولة المؤسسات السياسية الحديثة ذات البنيان الفوقي المزدهر.
8- ختاماً، في خطاب الخصومة السياسية يبقى التساؤل هل ان البنايات الفوقية السياسية لوحدها ام البنية التحتية الاجتماعية بتلونها ومعتقدياتها ادى احدهما الى ولادة هجين سياسي فردي قمعي في السابق لحقه هجين جمعي شديد الخصومات تحت مسمى الديمقراطية السياسية.

فبين هذا وذاك فالبلاد هي بامس الحاجة الى خطاب سياسي موحد بجلد وطني متماسك واحزاب سياسية هي نتاج ذلك الخطاب بكونها الوكيل الشرعي للمشروع الوطني العراقي بعد ان تبنى الاحزاب على قاعدة امبراطورية الشعب المنتج الواعي لا كيانات سياسية امبراطورية مالية تبحث عن منجم اسمه مغانم الدولة وبطريقة عمياء اسمها (( المحاصصة السياسية)).

ملاحظة/ جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كاتبها…

 

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*