Home » اراء و مقالات » إزالة الغموض بشأن مستقبل وجود قوات التحالف الدولي في العراق

إزالة الغموض بشأن مستقبل وجود قوات التحالف الدولي في العراق

السبت 2021/12/25
د. مهند الجنابي…
مع اقترابنا من موعد الـ 31 من كانون الاول الجاري، يسود الساحة السياسية العراقية جدل واسع بشأن توصيف الوضع القانوني لقوات التحالف الدولي برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية والمتواجدة في العراق منذ صيف عام 2014، على الرغم من التأكيد الحكومي الرسمي على انتقال العلاقة الى تقديم المشورة والتدريب والتعاون الاستخباري للجيش العراقي وقواته الأمنية ومؤسساته الاستخبارية.

الجدل الظاهر يعود الى اصرار الفصائل المسلحة المدعومة من ايران بوصف هذه القوات (قوات احتلال) في مسعى لإخراجها من العراق وتبرير استعمال القوة العسكرية، وهو يمثل المطلب الرئيس للسياسة الخارجية الإيرانية، ولا يقف الأمر عند حدود العراق فحسب، بل يمتد الى المنطقة بالكامل، إذ تدعو ايران بإستمرار لإخراج القوات الأجنبية من المنطقة، كما اشترطت الفصائل المسلحة وحلفائها من القوى السياسية التقليدية في اجتماع للاطار التنسيقي قبل الانتخابات العراقية بأربعة ايام ضرورة تحكم قوى الإطار بالسياسات الاستراتيجية العليا للعراق وانسجامها مع السياسة الإيرانية، قبل ان تُمنى بخسارة كبيرة في الانتخابات التي ستحول دون تأثيرهم الفاعل في السياسة الخارجية العراقية التي تحررت نسبياً من الهيمنة الإيرانية إبان حكومة مصطفى الكاظمي وتناغمت الى حدٍ كبير مع المصلحة الوطنية العراقية.

اطر قانونية للقوات الاستشارية.
لغة الدولة، وادبيات التعامل السياسي الدولي الذي انتهجته حكومة الكاظمي يُجلي الغبار الذي يسعى وكلاء طهران لإثارته فيما يتعلق بالعلاقة بين العراق والتحالف الدولي ضد الإرهاب وتحديداً العلاقة بالولايات المتحدة الأمريكية، فقوات التحالف الدولي ستبقى في العراق بعد نهاية العام الجاري بمهام غير قتالية، ووجودها شرعي وقانوني، فهو خاضع الى ثلاثة اُطر قانونية اولها قرارات مجلس الامن ذات العلاقة بالحرب على تنظيم داعش الارهابي، حيث أكد رئيس الوزراء العراقي التزام بلاده بالحرب على الارهاب خلال اجتماع له مع حلف الناتو، واصفاً بلاده بخط الصد الأول في مواجهة الارهاب، ويتمثل الاطار القانوني الثاني بقرار مجلس النواب الأمريكي إلغاء استعمال القوة في العراق، ويعني ذلك ان القوات الأمريكية في العراق ليست قوات غير قتالية، انما لا تمتلك التفويض القانوني لأستعمال القوة على وفق القوانين الأمريكية النافذة، فيما تمثل مخرجات الجولة الرابعة من الحوار الاستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية الاطار القانوني الثالث، والذي أكدت فيه الحكومة العراقية ان قوات التحالف الدولي متواجدة بطلب من العراق وفقاً لعلاقات عسكرية دولية تحترم مبدأ السيادة الوطنية، واستضافة هذه القوات في قواعد عسكرية عراقية تدار وفقاً للقوانين العراقية النافذة وليس وفقاً لقوانين دولة أجنبية ولأغراض الاستشارة والتدريب وتبادل المعلومات الاستخبارية التي يحتاجها العراق لإستتباب أمنه وبناء قدراته، كما اكدت التزامها بحماية افراد القوات الاستشارية والتدريبية للتحالف الدولي.

مواجهة الدولة وإضعاف المؤسسة العسكرية.
ان مساعي العراق نحو استقلالية سياسته الخارجية في بناء علاقات استراتيجية تحقق مصالحه وأمنه الوطنيين تواجه بسلوك مضاد من قبل الفصائل المسلحة وأطراف الاطار التنسيقي التي تغذي الخطاب التصعيدي ضد علاقات العراق الخارجية، فبعد ان خسر تحالف الفتح وانصار ايران في الانتخابات الأخيرة تجد الفصائل المسلحة نفسها في مواجهة تهديد وجود يتمثل بغياب الغطاء السياسي الذي مكنها من السطو على الدولة العراقية بعد انتخابات عام 2018 ونشاطها خارج اطار الدولة وارتباطها بمشروع ايران الاقليمي بما يخالف القوانين العراقية النافذة، إذ يدرك انصار ايران ان الحكومة العراقية الجديدة لن تستطيع ان تقوم بوظائفها وواجباتها الوطنية في إنفاذ القانون وسيادته في البلاد ومحاربة الفساد وانجاز الاستحقاقات الشعبية ما لم تضع في حساباتها انهاء دور الجماعات خارج اطار الدولة كأول مهمة تباشر بها مهامها الدستورية، لذا عمل تحالف (السلاح السياسي) على اتجاهين تجسّد الأول بخلق ازمة سياسية بعد اعلان نتائج الانتخابات والتشكيك بها واتهام المفوضية بالتزوير وممارسة انواع الضغط كافة على المحكمة الاتحادية العليا من اجل عدم المصادقة على النتائج او الغائها، وهو ما لم يفلح به حتى الان في ظل الاجواء السائدة داخل المؤسسة القضائية العراقية، فيما تجسّد الاتجاه الآخر بإعلان فصائل مسلحة استعدادها للمواجهة مع القوات الاستشارية والتدريبية للتحالف الدولي مطلع العام المقبل لفرض أمر واقع يُعبر عنه بإخلال العراق بإلتزاماته الدولية في حماية افراد هذه القوات واستحضار سيناريو العزلة التي اوشكت البلاد على دخولها بعد تهديد سفارات 25 دولة بنقل مقراتها من بغداد الى اربيل في تشرين الاول من العام الماضي رداً على الاستهدافات المستمرة للسفارة الأمريكية آنذاك، وهو ما يوفّر لهذه الفصائل القدرة على تجديد نفوذها في اجواء تسودها الفوضى ولغة السلاح.

على الجانب الآخر، يهدف وكلاء ايران الى اضعاف المؤسسات العسكرية والاستخبارية والأمنية العراقية التي نمت خلال الأعوام الأخيرة، عن طريق قطع العلاقات العسكرية للعراق بإعلان الفصائل الحرب ضد القوات التدريبية والاستشارية الدولية، فبإستثناء جهاز مكافحة الإرهاب وجهاز المخابرات، لا تزال القوات المسلحة العراقية في مرحلة البناء للوصول الى دورها الحقيقي المتمثل بحماية الحدود الدولية للبلاد، فيما ينتظر إصلاح قطاع الأمن طريقاً غير قصير لتحقيق هدفه، إذ تعاني المؤسسة الأمنية من تركة الاختراق الحزبي لها والتي تعيق الى حد كبير من دورها ورافق بعض وحداتها انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان كان اخرها ابان انتفاضة تشرين، وهذا الشأن بات ذو أولوية دولية من خلال الإشارة الواضحة التي وردت في قرار مجلس الأمن المرقم 2576 الخاص بالشأن العراقي، لذا يعد تمكين هذه المؤسسات بالخبرات المهنية العالية من دول كبرى كالولايات المتحدة الأمريكية وأعضاء حلف الناتو أمراً لا بد منه لسيادة القانون في البلاد وانهاء التدخلات السياسية الداخلية والخارجية وهو ما لا يصب في مصلحة إيران ووكلائها المحليون.

ابتزاز لمكاسب سياسية
من المحتمل ان تعمل بعض الفصائل المسلحة على استهداف القوات التدريبية والاستشارية الدولية داخل القواعد العسكرية العراقية مع الذكرى الثانية لمقتل قاسم سليماني وابو مهدي المهندس في الثالث من كانون الثاني القادم بعمليات غير مؤثرة ولا تستوجب اجراءات رد دفاعي من قبل هذه القوات، فبعد الخسارة الكبيرة التي منيت بها في الانتخبات، يشعر قادة بعض الفصائل التي انخرطت في العمل السياسي ان ثقة طهران قد اهتزت بهم، وان طموحات الصدر بتشكيل حكومة اغلبية وطنية ستكون على حساب نفوذهم السياسي والاقتصادي، وهو ما قد يدفعهم الى تنفيذ هكذا عمليات بهدف الضغط على الاطراف السياسية الفائزة في الانتخابات والتي تؤكد التزامات العراق الدولية بحماية افراد القوات التدريبية والاستشارية الدولية، للحصول على مكاسب سياسية لهذه الفصائل تعيد ثقة طهران بها من جهة وتحافظ نسبياً على ما تبقى لها من نفوذ او الحصول على ضمانات بعدم مواجهتها وملاحقتها من قبل الحكومة الجديدة.

ويبقى هذا الأمر رهن قرار المحكمة الاتحادية العليا بخصوص نتائج الانتخابات وكذلك الصيغة التي ستستقر عليها الاطراف الفائزة في الانتخابات بشأن تشكيل الحكومة الجديدة، إلا أن ضرورات الأمن الوطني العراقي واولوياته خلال الأسابيع المقبلة تتطلب اجراءات حازمة من الحكومة الحالية في مواجهة أي عمليات ابتزاز تستغل التزامات العراق الدولية كأداة لتحقيق مكاسب سياسية.

ملاحظة/ جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كاتبها…

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*