Home » اراء و مقالات » المفقود بين الحرية والمسؤولية

المفقود بين الحرية والمسؤولية

الإثنين 2021/12/27
احمد العبادي…
كشف الجدل الاخير الدائر حول الحفل الذي أقامه الفنان محمد رمضان عن وجود تيارين متطرفين الأول يريد فرض الوصاية الدينية على المجتمع للمحافظة على المنظومة القيمية والأخلاقية كما يقول، والثاني تيار متطرف يريد أن يخطف المجتمع لساحة البذاءة والهبوط والتحلل..

ولا احد يستطيع أن ينكر ان وجود هذين التيارين يعبران عن ازمة التعطش لمساحات وفضاءات الحرية لدى العراقيين .. وازمة العقل المأزوم والمنكمش والاسير لقوالب الفهم الاعوج والاعور للدين والحريات من قبل بعض المعارضين..

فلا الدين وصاية، ولا الحريات إساءة.. حيث أن الدين دعوة وهداية كما قال سبحانه : (( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)) او كما قال (( لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)).

وان الحرية هي مساحة مسؤولية يتولاها الافراد وليس مساحة فوضى وتشوية للقيم والأخلاق،
وهي منحة الهية لا ينبغي مصادرتها بالمطلق من قبل أي جهة.. (( فمتى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم احرار)).

كما لا ينبغي إساءة استخدام هذه المنحة الإلهية بل يجب فهم حقوق التصرف والمديات التي تتحرك بها هذه الحرية..

وبالتالي فأن الحريات هي مسألة نسبية وليست مطلقة..

ولو لم تكن نسبية لما احتاجت الدول للتشريعات والنظم التي تنظم أمور الأفراد والجماعات، ولعل من الملفت للنظر ان الجدل الذي أثير حول هذا الحفل عبر عن ضيق أفق وقصور ومحدود في فهم الأخلاق لدى البعض المحتج،

فلا يمكن أن نختزل الأخلاق في حدود ما حدث من استعراض مسرحي بعيد عن الضابط الأخلاقي فمنظومة القيم والأخلاق هي منظومة متكاملة وشاملة لكل أبعاد الحياة.

فوجود 32 بالمئة من الشعب المقهور بالعوز تحت خط الفقر بسبب الفساد المالي والإداري ليس من الأخلاق، ووجود شبكات التهريب والمخدرات التي نهشت عقول شبابنا على مسمع ومرأى الجهات المسؤولة والتي تعبر عن نفسها تعبير اسلامويا ليس من الأخلاق، ووجود جيش من الأرامل والايتام المشردين في الشوارع ليس من الأخلاق، ووجود مخيمات البؤس والشقاء والحرمان للنازحين والمهجرين بعد 5 سنوات من التحرير ليست من الأخلاق، ووجود آلاف الفضائيين ليست من الأخلاق وتهريب النفط والعملة الصعبة من خلال سوق البورصة ليست من الأخلاق.

وبالتالي فأن هذا التفسير المجتزء للأخلاق من البعض المحسوب على الظاهرة الاسلاموية السياسية بعد 2003، انما يعبر عن ازمة الأخلاق التي تعيشها هذه الجهات نفسها.

ومن جانب آخر فأن الدعاة للمدنية والمدافعين عن الحريات الشخصية ينبغي ان لا يسيئوا استخدام هذه المنحة الالهية بأساءتهم لمنظومة الأخلاق والتقاليد والاعراف التي نشأ عليها المجتمع لان هذا الأسلوب يعتبر بمثابة التمرد على الاغلبية المجتمعية المحافظة للشعب العراقي.

ومن ثم اذا كان المدنيون حريصون على ترسيخ مدنيتهم ينبغي الا يجعلوا منها ممرا لتمرير ظواهر مسيئة للمجتمع ولا لتمرير فنون هابطة ومبتذلة ومنحلة كي لا تكون ذريعة صالحة للآخر الظلامي الذي يريد فرض وصايته على المجتمع.

اذا كنتم مدنيون فعلا احيوا تراثكم الفني الذي يحتضر والذي يعبر تعبيرا صادقا عن الثقافة العراقية الأصيلة.

ملاحظة/ جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كاتبها…

 

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*