Home » اراء و مقالات » حكام العراق الجدد وخرافة الدولة المصطنعة

حكام العراق الجدد وخرافة الدولة المصطنعة

الأربعاء 2021/12/29
فراس ناجي…
طرح علي علاوي وزير المالية الحالي في الحكومة العراقية رؤيته في أن أساس الصراع المجتمعي المستمر في العراق على مدى قرن من الزمان، هو أن نشوء الدولة العراقية كان حدثاً مصطنعاً شرع به المستعمر البريطاني بعد احتلاله للعراق خلال الحرب العالمية الأولى.

“مكونات الدولة العراقية غير متجانسة تاريخياً” قال علاوي على شاشة القناة الرسمية العراقية، فولاية البصرة كان المفروض أن تكون مستعمرة بريطانية، بينما أُلحقت الموصل في منتصف العشرينات. أما الكرد فكان ارتباطهم أكثر مع الاتراك والباب العالي من مناطق الوسط والجنوب. لم يكن ارتباط بغداد بالموصل وبالبصرة بالكثافة المطلوبة.

علاوي ليس بالسياسي التقليدي من منتفعي نظام ما بعد 2003 الذي أسسه الغزو الأمريكي، فهو من عائلة غنية تنتمي الى النخبة الحاكمة في العهد الملكي وحصل على شهادات من جامعات معروفة وله كتب ذات طابع فكري، إلا أنه أيضاً معروف بميوله الإسلامية وعلاقاته مع أحزاب الإسلام السياسي وبتبنيه لوثيقة “اعلان شيعة العراق” في 2002 الذي يؤسس لمظلومية الشيعة منذ تأسيس الدولة العراقية.

هذه المقالة ليست في مجال التحليل النفسي أو الاجتماعي أو حتى السياسي لتبني علاوي أو غيره من قادة نظام المحاصصة المكوناتية لمفهوم الدولة العراقية المصطنعة لتفسير صراع الهويات الذي طغى على المشهد السياسي منذ 2003، فمن الواضح إن هذا المفهوم يوفر أرضية مناسبة لهؤلاء السياسيين لتبرير فشلهم في بناء دولة المواطنة والازدهار وهدرهم لموارد هائلة كانت تكفي لبناء دول من الحطام؛ بل الهدف هنا هو في مواجهة خرافة الدولة العراقية المصطنعة التي تكاد أن تكون ثقافة سائدة تتبناها أطرافٌ متضادة سياسياً وفكرياً من بعض الليبراليين الذين يرون الحضارة الاوربية هي المعيار للحضارة الإنسانية، الى بعض ذوي التوجهات الماركسية، إلى منظّري الإسلام الجهادي بدلالة اعلان داعش سقوط حقبة سايكس-بيكو عند إزالتها علامات الحدود “المصطنعة” بين سوريا والعراق في 2014.

من اللافت هنا، أن هناك دراستين موسوعيتين حول نشوء الدولة وتطور النزعة الوطنية في العراق اعتمدتا على مفهوم نظري مناقض لمفهوم الدولة المصطنعة، وهو صيرورة الدولة العراقية عبر عملية تحديث مستمرة للمجتمع العراقي القديم من الحقبة العثمانية المتأخرة وليس عبر عملية خلق دولة جديدة من العدم.

فكتاب حنا بطاطو “العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية”عدّ أن العراق قد مر في حالة تحول طبقي بدء تدريجياً خلال القرن التاسع عشر واستمر في القرن العشرين من خلال الالتحاق بالنظام الرأسمالي الصناعي العالمي وعبر استقرار وتوسع المُلكية الخاصة وتمركزها الشديد كنتيجة للتغييرات الكبيرة في قوانين ملكية الأرض 1858-1932 وقوة سلطة الدولة وانتشار الاتصالات ونمو المدن وسريان الأفكار والتقنيات الاوربية.

كما عدّ بطاطو أن بوادر التحديث الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في العراق كانت قد ساهمت في نمو الشعور القومي والوطني للعراقيين إذ كان الحافز الأهم في نمو هذا الشعور هو الغزو البريطاني عبر توحد العراقيين (الشيعة والسنة في المدن مع العشائر) في مقاومة هذا الغزو خاصة في ثورة 1920. وعلى الرغم من رؤيته أن الثورة المسلحة في 1920 كانت أساساً “شأناً عشائرياً حرّكه الكثير من الأهواء والمصالح المحلية”، لكنه في نفس الوقت عدّ هذه المرحلة نقطة البدء لنمو المجتمع الوطني العراقي. كما افترض بطاطو أن الانقسام الشيعي-السني في بداية تأسيس الدولة تعود أصوله الى أسباب اقتصادية واجتماعية، لذلك عملت التحولات الطبقية المتسارعة والتوسع المستمر للطبقة المتعلمة والتقدم السريع للحياة الحضرية بعد تأسيس الدولة على تآكل الولاءات التقليدية واستبدالها بانتماءات ايديولوجية جديدة عابرة لهذه الولاءات مثل الشيوعية والقومية.

أما علي الوردي في كتابه – على أجزاء – “لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث” فقد رأى أن ظهور الوعي السياسي في العراق كان نتيجة صيرورة متواصلة تعرض خلالها المجتمع العراقي لآليات التحديث والحداثة منذ 1876والتي تضمنت الأفكار والمخترعات والنظم الأوروبية الحديثة بالإضافة الى التغيرات الاقتصادية نتيجة فتح قناة السويس وما صاحب ذلك من دخول المواد الإنتاجية وزيادة اعداد الزراع المستقرين وسكان الحضر مع ظهور طبقة الافندية.كل هذا أدّى الى البدء في التحول من حالة الصراع الجماعي حسب الوعي الطائفي والعشائري نحو الوعي الوطني/القومي نتيجة الانفتاح الاجتماعي الذي أدّى الى توسع المدارك والنظرة فوق النزاعات الضيقة، لكن مع بوادر صراع من نوع آخر هو الصراع بين القديم والجديد.فقد رفض الوردي الفكرة الغربية التقليدية بأن خصائص البداوة تمثل مرحلة بدائية من مراحل التحول الحضاري للمجتمعات الإنسانية نحو المجتمع الصناعي المتطور، بل عدّ أن الصراع الحديث بين الحضارة والبداوة هو صراع ثقافة وقيم حيث القيم البدوية متغلغلة في أعماق النفوس من جهة، مقابل قيم مضادة جاءت بها الحضارة الحديثة، ما يؤدي الى التناشز الاجتماعي وازدواج الشخصية بسبب التضاد بين الظاهر الحضاري وبقايا القيم البدوية في الأعماق.

كذلك رأى الوردي أن أساس النزعة الطائفية بين الشيعة والسنة في العراق هو الانتماءالاجتماعي أكثر مما هو أساس ديني أو جوهري، فقد اتخذت الطائفية طابع العصبية القبلية إذشكلت ما يمثل العقدة المكبوتة في شخصية الفرد العراقي، بينما عدّ أن اختلاف المصالح والعقائد والتقاليد والقيم بين مجاميع العراقيين تؤدي الى التنازع بينهم بسبب تعصب كل جماعة الى جانبها من الحقيقة كمطلق ورفض منظور الآخرين.

لقد جادل الوردي أن البداية الحقيقية للوعي السياسي في العراق تجلت كطفرة خلال الفترة 1906-1923 إذ بدأت تحت رعاية المجتهدين الذين كانوا قد قادوا الجدل حول مبدأ المشروطية السياسي في ايران، وانتهت بنفي الحكومة العراقية للمجتهدين من النجف على أن لا يعودوا الا بعد تعهدهم بعدم التدخل في الشؤون السياسية. وعلى الرغم من كثرة الانتقاد للوردي على طريقة تناوله لثورة العشرين – غالباً بسبب انتقاده للمؤرخين “الخطابيين” الذين مجّدوا الثورة واعترافه أن التراث البدوي كان عاملاً مهماً من عوامل الثورة–إلا أنه عدّها “المدرسة الشعبية الأولى” للعراقيين حول مفاهيم الوطنية والاستقلال ومحطة مهمة ضمن سياق هذا التحول من سيادة الوعي الديني في المجتمع العراقي الى سيادة الوعي الوطني السياسي فيه.

من اللافت أيضاً، إن هناك وقائع لأحداث سابقة نقلها مؤرخون عراقيون قبل تأسيس الدولة ونقلها عنهم مؤرخون معاصرون، توضّح ومن دون لبس أن أجزاء العراق العثماني كانت متفاعلة مع بعضها من الشمال الى الجنوب منذ عصر المماليك في منتصف القرن الثامن عشر.فقد ذكر المؤرخ سليمان فائق في ستينات القرن التاسع عشر أن حالت أفندي – رئيس الكتّاب السابق في بغداد – قام باسقاط حكم سليمان باشا (أحد الحكام المماليك في بغداد) في 1810 عبر تحالفه مع متصرف الموصل محمود باشا آل جليل ومتصرف السليمانية عبد الرحمن باشا (من آل بابان) و”كثير من الأمراء والمشايخ العراقيين” فهجموا على بغداد بجيش من 15 ألف جندي. كذلك في 1812 عندما لجأ سعيد بك (ابن الوالي المملوكي سليمان الكبير) الى شيخ المنتفك حمود الثامر هرباً من الوالي عبد الله باشا، حيث هُزم جيش الوالي عندما التقى بجيش العشائر وزحف بعدها سعيد بك للسيطرة على بغداد ونصّب نفسه وزير على العراق بعد موافقة السلطان العثماني.

وكذلك ذكر المؤرخ رسول حاوي الكركوكلي في عشرينات القرن التاسع عشر،أحداث سنة 1789 حينما اتفق متسلم البصرة مصطفى آغا مع أمير بابان في السليمانية عثمان باشا على التمرد بالتحالف مع شيخ المنتفك ثويني السعدون. إلا أن وزير العراق سليمان باشا الكبير كسب عثمان باشا الى صفه وهاجم البصرة بعساكر الكرد وأنهى التمرد فيها. وهذا يوضح مدى التفاعل بين الحكام المحليين في العراق من شماله الى جنوبه قبل أكثر من 140 سنة من تأسيس الدولة العراقية بما يدحض فرضية عدم الارتباط بين ولايات العراق قبل تأسيس الدولة. لذلك لم يكن من المستغرب ان تأتي مجاميع المتطوعين الكرد مع أخوتهم من باقي انحاء العراق للدفاع عن البصرة ضد البريطانيين في بداية الحرب العالمية الأولى، حيث استقبلهم أهل السماوة بهوستهم المعروفة: “ثلثين الجنة لهادينا/ وثلث لكاكه أحمد وأصحابه”، دلالة على تآخي العرب والكرد في الدفاع عن الوطن المشترك.

أما إدارياً فقد كانت ولاية بغداد منذ حكم حسن باشا مؤسس إقليم العراق العثماني في بداية القرن الثامن عشر وطوال عهد المماليك،ترتبط بها معظم مراكز العراق الحديث – ما عدا مدينة الموصل – من البصرة في الجنوب الى عنة وراوة في الغرب الى العمادية (إمارة باهدينان) والسليمانية (إمارة بابان) وراوندوز (إمارة سوران) في الشمال. وحتى الموصل كانت قد أصبحت تحت تأثير والي بغداد منذ عهد المماليك. وفي الواقع لم ترتبط كردستان العراق بولاية الموصل إلا بعد عام 1879، أي عبر عقود قليلةقبل الحرب العالمية الأولى، وحتى في حينها، كان العراق (بولاياته بغداد والموصل والبصرة) يعدّ اطاراً إدارياً جامعا شبه مندمج يدعى “خطة العراق” ووحدة أمنية عسكرية بعنوان “جيش العراق” تحت قيادة والي بغداد.

إن هذه المعلومات التاريخية– وغيرها الكثير مما يدحض فرضية الدولة العراقية المصطنعة – ليست بجديدة بل هي موثقة بشكل مفصل في أدبيات تاريخ العراق الحديث، لكن الجديد هو نزوع العديد من الاكاديميين والمثقفين والسياسيين الى هذه الفرضية، أولا لأنها توفر تفسيراً مبسطاً ومختزلاً لصراع الهويات الذي تصاعد في العراق خاصة بعد 2003، وثانياً لأنها تمثل الأساس الفكري لنظام المحاصصة المكوناتي الذي أنشأته الطبقة الحاكمة الحالية بالتعاون مع قيادة الاحتلال الأمريكي للعراق.

فالمطلوب الآن، خاصة بعد انتعاش النزعة الوطنية العراقية وهويتها الجامعة بعد ثورة تشرين الشبابية، هو التصدي لخرافة الدولة العراقية المصطنعةإذ يكون للجميع من كتّاب ومفكرين وأكاديميين وناشطين دور مهم لدحض هذه الخرافة والتأسيس للمنظور الوطني الجامع المستند على السردية التاريخية لصيرورة الدولة العراقية والتي تشكل المرتكز الأهم للهوية الوطنية العراقية وعملية بناء الأمة التي تعثرت بشكل كبير خلال القرن الماضي من عمر الدولة العراقية.

ملاحظة/ جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كاتبها…

 

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*