Home » ثقافة » مظفر النواب والأمنيات العراقية على أعتاب العام الجديد

مظفر النواب والأمنيات العراقية على أعتاب العام الجديد

السبت 2022/01/01
عقيل عباس…
للشاعر العراقي مظفر النواب قصيدة مشهورة عنوانها “ثلاث أمنيات على بوابة العام الجديد”، يفترض أنه كتبها في بداية الثمانينات.

الأمنيتان الأولى والثانية عامتان فيما الثالثة شخصية، وإن كانت مرتبطة بالخيبة الناتجة من عدم تحقق الامنيتين. تشير الأمنية الأولى إلى الرغبة بنهاية قمع الدولة (أي إلهي: أَن لي أمنيةَ/أن يسقط القَمعُ بِداء القَلبِ /والمَنفى يعودون إلى أوطانهم/ ثم رجوعي).

تتعلق الأمنية الثانية بأن تصبح الأشياء عراقية، في إشارة على ما يبدو إلى غياب الوطنية في نظام الحكم حينذاك الذي كان يهتم بمصالحه الأنانية لا مصالح العراقيين ( يا إِلهي إِنَّ لي أُمنيةً ثانيةً/ أن يرجع اللحنُ عراقياً وإن كان حزين).

ثم تأتي الأمنية الثالثة، الشخصية الطابع، بصيغة إعلان عجز وحسرة (يا إِلهي: رغبةٌ أُخرى إِذا وافقتَ/ أن تغفِرَ لي بُعديَ أُمِّي/والشُّجيراتِ التي لم أسقِها مُنذُ سِنينْ).

تشكلت أمنيات النواب هذه في إطار وجود نظام شمولي قاس هو نظام صدام لم يكن ممكناً من الناحية العملية تحقيق الأماني فيه التي تختلف مع النظام وسياساته. ولذلك بقيت الأماني والإصرار عليها شعراً ونثراً وحديثاً هي الملاذ الأخير، ملاذ العاجزين مادياً عن التحقيق، لكن المتمسكين ايضاً بجرأة الحلم ببلاد أفضل تستوعبهم بدون الظلم والتعسف والخوف الذي شوهها وجعل عيشهم فيها مستحيلاً.

يمكن للمرء أن يستقرئ أوضاع العراق وتحدياته اليوم عبر أمنيات النواب قبل 40 عاما تقريباً. فما تزال هذه الأمنيات تنطبق على عراق اليوم وإن على نحو مختلف قليلاً يسمح، بعكس سياق النواب، بأن يسعى الناس لتحقيق أمنياتهم العامة المرتبطة بشكل الدولة ونوعية الحياة فيها.

قد تكون هذه القدرة على تحويل الأمنيات إلى وقائع هي الحسنة الوحيدة المتبقية من نظام ما بعد 2003، والفارق الأساسي والمهم الذي يفصل هذا النظام عن نظام صدام حسين الذي تتشكى أمنيات النواب من قسوته التي تجعله عصياً على التغير عبر جهد الأفراد من خارجه. تكمن هذه الحسنة في أن هذا النظام مفتوح، عبر الحرية النسبية ووجود نظام تداولي انتخابي فيه، مقابل نظام صدام المغلق الخالي من الحريات السياسية ومن إمكانات التداول.

ضعف المؤسساتية والطبيعة التحاصصية في نظام ما بعد 2003 فسح المجال لامكان بروز القمع فيه وتخويف المعارضين والمختلفين معه عبر خطوط حمراء غير معلنة لكنها معروفة للجميع. ولذلك استطاعت الجماعات الميليشياوية تعقب الناشطين في احتجاجات تشرين واختطفت بعضهم وقتلت آخرين، فيما فر كثيرون إما إلى إقليم كردستان العراق أو تركيا أو غيرها.

هكذا استطاعت هذه المجاميع، عبر أدوات القمع التي بيدها، إعادة إنتاج بعض الخوف القديم الذي برع في صناعته وإدامته نظام صدام. لذلك تبدو أمنية عراقية مشروعة على أعتاب العام الجديد ان “يسقط القمع بداء القلب” مرة اخرى. الفارق المهم عن سياق النواب قبل أربعين عاماً أن جهد العراقيين ومؤسساتهم في لحظة ادائها الجيد استطاعت أن تخلق الظروف التي تضع هذا القمع على درب النهاية. ساهم التحشيد الشعبي ضد الفصائل الميليشياوية وتعريتها اعلامياً وفضح سجلها بتحدي الدولة والتغول على المجتمع في أن تعيش هذه الفصائل خسارة انتخابية فادحة ستقوض قدرتها على ممارسة القمع.

أمنية النواب الثانية في أن تعود الأشياء عراقية تتجدد اليوم ولكن في إطار تحققها التدريجي والبطيء من خلال جهد العراقيين أنفسهم. أبرزت احتجاجات تشرين تعطشاً عراقياً كاسحاً لاستعادة الدولة، استعادتها من أحزاب اقطاعية هيمنت عليها ونهبت مواردها واضعفتها وجعلتها عاجزة عن تأدية التزاماتها نحو مواطنيها.

لا تختلف أنانية نظام صدام عن انانية الطبقة السياسة الحزبية الحاكمة في العراق بعد 2003 فكلاهما لم ينظر إلى المجتمع لفهمه بجدية ولم يسعَ لخدمته وتلبية طموحاته المشروعة، بل ابتعد عنه وحاول ترويضه لصالحه عبر أدوات مختلفة. الاختلاف المهم هنا هو أن المجتمع بعد 2003 طور تدريجياً، وعلى إثر خسارات باهظة، الوعي والقدرة اللازمين لاستعادة الدولة من القوى الحزبية الإقطاعية التي اختطفتها وشوهتها.

وبدايات النجاح في فعل الاستعادة هذا، الذي ما يزال درب اكتماله طويلاً، هو خروج المجتمع من وطأة سرديات التخدير الهوياتي التي اعتمدتها هذه القوى لتحييد المجتمع فيما تختطف هي الدولة وتهيمن على مواردها. أصبح صوت الاعتراض الشعبي ضد هذه القوى عالياً وواضحاً وظهر في فعل المقاطعة الواسعة لانتخابات أكتوبر الماضية. ورغم أن هذه المقاطعة لم تكن بالضرورة فعلاً سياسياً حكيماً لأنها سمحت، عبر غياب الناخبين المعارضين في يوم الاقتراع، بأن يتضاعف التأثير الانتخابي لجمهور الأحزاب الإقطاعية المحدود عددياً ويعيد بعض هذه الأحزاب إلى مواقع السلطة والتأثير، وإن كانت أحزاب اقطاعية اخرى خسرت مواقعها التقليدية في السلطة جراء الانتخابات الاخيرة. لكن كل هذه التجربة، بعيوبها واكتشافاتها، هي مران جيد للمجتمع استعداداً لجولات قادمة سياسية وانتخابية يخوضها وعبرها يستطيع استكمال المهمة الشاقة والنبيلة باستعادة الدولة من اختطاف هذه الأحزاب لها.

إن تحققت الأمنية الأولى والثانية في عراق ما بعد 2003 هزيمة القمع واستعادة الدولة، فإن الأمنية الشخصية الثالثة تكون قد تحققت اوتوماتيكياً: ألا يُضطر العراقيون لمغادرة بلدهم خوفاً وقهراً ليراقبوه عن بعد بحسرة وألم، كما حصل مع مظفر النواب في انتظاره الطويل لعودة صعبة إلى عراق لم يستطع أن يوفر لأحد مبدعيه المشهورين أسباب العودة والبقاء المناسبة في بلده بعد تحرره من الدكتاتور الذي كان يمنعه من تلك العودة.

ملاحظة/ جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كاتبها…

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*