Home » اراء و مقالات » الطائفية في العراق والدولة العلمانية

الطائفية في العراق والدولة العلمانية

السبت 2022/01/22
جعفر المظفر…
لن أدعي قدرة مطلقة على التحرر من ضغط الموروث, لكن سيشفع لي طيب النيات تخفيف عَوَق التفاصيل, فإن وجدت هَنة هنا أو هَنة هناك فإن ما يجعلها خارج القصد وضوح نقاء الهدف وغياب التدليس, ثم سيقلل كثيراً من شأنها الفهم الواسع والغني لمفهوم الطائفية وقدرة التمييز بين ما هو مذهبي وما هو طائفي ثم تقسيم الثاني إلى أنواعه السياسية والاجتماعية لكي نضمن إقتراباً جيداً وبمداخل تضمن لنا عدم الوقوع في فخ التجريد أو التعويم الذي يقودنا بدوره إلى تأسيس أحكام نهائية خاطئة ربما كان يمكن تلافيها لو أحسنّا تصنيف الظاهرة وأجدنا طريقة الإقتراب منها.

لقد بات من السهل جداً اتهام المناوئين بالطائفية دون تمحيص أو تمييز فيما إذا كان سلوك الشخص وقتها قد يشي بطائفية موروثة ومغروسة في اللاقصد واللاإدراك, كما ويلعب التضليل السياسى الذى تقوم به الطبقة الثقافية والسياسية دوراً مهماً في توظيف الأحداث وتفسيرها للانتصار لوجهة نظر معينة وهنا يتم توظيف المعلومات بالتضخيم لبعض منها، وإخفاء البعض الآخر، وأحيانًا الكذب والتلفيق لتقديم توصيف معين يدَّعي من يقدّمه أنه يفسّر ما حدث، ولكنه فى الحقيقة، يبرِّره ويسوغه.

ليست هناك مشكلة مع التعريف اللغوي أو حتى الفقهي للطائفة ولا يشكل الانتماء إليها معضلة إلا إذا تفعلت سياسياً. كذلك فإن عدم تعريف الطائفية على أساس سليم ووفق توصيفات وتصنيفات دقيقة سيؤدي حتماً إلى تفاقم الظاهرة نتيجة لخطأ تعويم التعريف وصيغ المعالجة, فحينما لا نميز بين الطائفية السياسية والطائفية الإجتماعية, بين الموروثة الخاملة وبين المكتسبة الفاعلة, بين الإنتماء الفقهي للطائفة وبين الإنتماء الهوياتي حين ذاك فإن التعامل مع الطائفية وكأنها حالة واحدة سيؤدي بالفعل إلى تهميش لفاعلية العلاج وتخفيف لقدرته على المجابهة.

ويمنعنا الخلط بين طائفية المجتمع وطائفية الدولة من إكتشاف خصوصية الطائفية السياسية٬ فنحسب أن خطر الأولى يتساوى مع خطر الثانية وأنه بوجود أحدهما يوجد الثاني. والأمر الأخير لا أشك بصحته على أن يجري ترتيب العلاقة بين الطرفين بشكل جيد يقول إن الطائفية الإجتماعية مصدرها سياسي, وبدون التفعيلة السياسية لا خطر هناك لأن يتحول الإجتماعي إلى سياسي وهذا ما يجب أن نعمل على تعطيله.

وإن هذا التأكيد لا يعني من جانبه أن الإجتماعي لا ينتج السياسي ولكنه يعني أن بإمكان مجتمع الطوائف أن يبني دولة وطنية إذا ما أنتج نخباً سياسية وطنية غير طائفية في ظل ظروف تشجعه على ذلك, ويتأكد هذا من معرفة أن مجتمعنا مجتمع الطوائف هذا كان قد أفلح في إنتاج نخب وأحزاب وحركات نقيضة للطائفية وذات ولاءات وطنية متقدمة, ولو كان النتاج السياسي بطبيعته حتمية لواقع اجتماعي ساكن لما وجدت هذه الأحزاب والتجمعات أصلاً.

ولعل ذلك يحيلنا إلى مسألة ذات أهمية كبيرة, فاشتراط أن تنتهي الطائفية الاجتماعية أولاً للحيلولة دون نشوء الطائفية السياسية هو حلم طوبائي, على الأقل في المراحل المنظورة, مثلما هو تعطيل لأمل بناء الدولة الوطنية من خلال نخب علمانية وطنية ينتدبها مجتمع الطوائف نفسه ثم تعود هي بدورها إلى التضييق على الظاهر الطائفية ثقافياً ومنع تفعيلها سياسياً. وإن الأمر لا شك يحتاج إلى نشاطات إنسانية تتخطى مساحة الوعظ الثقافي إلى ما هو سياسي وقانوني وإقتصادي, أي العمل على تغيير البيئة أولاً لتنشيط جانبها الوطني وإنتاج وتوسيع حواضن تعميق الهويات الوطنية وجعلها تعلو قيمة أخلاقية ومادية على الهويات الثانوية.

إن من المهم قبل الاقتراب من الظاهرة بدعوى تقديم الحلول أنّ يكون هناك قدر عالٍ من الفلترة المبدئية الأخلاقية, لأن ملكية التجرد والحرفية العالية هي ملكية مشكوك في إطلاقيتها, وفي لحظة الادعاء بوجودها عادة ما يكون الإنسان خاضعاً بدرجات إلى تأثير الموروث الذي يوفر تلقائية الانحياز غير المتوازن. والفلترة المقصودة هنا هي القدرة على أن يكون الاقتراب من الظاهرة بأعلى درجة من كبت الموروث ومنع قمعيته التلقائية لحالة التجرد والمهنية المطلوبة.

وأجد أن المداخل السياسية للإقتراب من الظاهرة غالباً ما تؤدي إلى التيه. مثلاً الإدعاء أن ثورة الخميني الإيرانية كانت السبب الأساسي في ظهور الطائفية في العراق هو ادعاء يحاول كسب الجولة سياسياً أكثر من محاولته التصدي لدراسة هذه الظاهرة بكل عمق من خلال البحث عن جذورها وتمظهراتها الموضوعية وتعرجاتها التاريخية. إنه القول ذاته الذي يلقي بسبب وجود الظاهرة على كاهل الدول الإستعمارية, وخاصة بريطانيا وفرنسا وبعدهما أمريكا وإسرائيل فيعتمد على نظرية المؤامرة أولاً ولكي يحسم بحثه بانتصار هو بالنتيجة انتصار طائفي يعكس نفسه من خلال تحميله لتبعات التفعيل الطائفي على الطائفة المقابلة. إن باحثاً من هذا النوع يزيد الطين بلّة ويضيف إلى سوء الحشف كيْلاتٍ, ولكان الأفضل لنا لو أنه لم يتطوع, حتى بوجود حسن النيّات, على أن يدلي بدلوه الذي حرك فيه طين القعر بدلاً من أن يستعمله لتحصيل الماء الصافي من أعلى البئر.

إن الطائفية هي التعصب أو الإنتماء المتعنّت لطائفة أو دين وتقديم هوية هذا الانتماء الثانوي على هوية الانتماء الأساسي وهو الانتماء الوطني. ونرى في هذا السياق أن المجموعة تنغلق على نفسها وتبدأ بالتمَأسُس الفقهي والثقافي وحتى التنظيمي والسياسي والاجتماعي خارج إطار المجتمع الموحد, ثم إذا بها تؤسس لها تاريخاً خاصاً بها متناقضاً مع تاريخ الأمة أو الوطن السياسي الجامع. إنها تتحول من ملة وطريقة فقهية للتعبد إلى مكون له حقوق بموجب الانتماء الهوياتي للطائفة.

من المهم التأكيد على أن الإعتزاز بالانتماء للهويات الثانوية ليس فيه ضير ولا يحمل عدوانية كذلك فإن ائتمان جانب العدوانية النائمة لا يمكن تحقيقه إلا بوجود عاملين متفاعلين في الوقت نفسه، الأول هو العامل الثقافي الحداثي الذي يؤمن بحرية التدين والإلحاد والتمذهب والثاني هو عامل ضبط الصراعات السياسية لكي تجري في ساحة الهوية الوطنية وضمن دولة علمانية تضمن سيادة القانون والمساواة وتفصل الدين عن السياسة وتعتمد على اعتبار العمل السياسي الديني محرماً.

ملاحظة/ جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كاتبها…

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*