Home » ثقافة » التقوقع في الماضي لن يحل المشكلة العراقية

التقوقع في الماضي لن يحل المشكلة العراقية

الإثنين 2022/01/24
د. حميد الكفائي…
مازالت الطبقة السياسة العراقية متقوقعة في غياهب الماضي على الرغم من إدراكها أن الشعب العراقي يريد دولة مختلفة عن الدولة الحالية، التي أضعفها القادة السياسيون بتأسيسهم نظاما سياسيا قلقا وغير قابل للاستمرار.

محاولات تشكيل الحكومة مازالت تدور حول التصورات الطائفية الخاطئة السابقة، والترتيبات البدائية البائسة والمحاصصة السقيمة التي يمقتها العراقيون ويحتقرونها، بينما الأسماء المطروحة للمناصب الرئيسية هي الأسماء السابقة نفسها، التي فشلت في الحكم وقادت البلد إلى التدهور المتفاقم الحالي، ما يعني أن هذه الطبقة مصممة على البقاء في الماضي، غير آبهة بنتائج هذه السياسة وأثارها المدمرة على البلد، والتي ستدفع الشعب العراقي إلى الاصطدام بها من جديد، وقد تكون المواجهة حاسمة هذه المرة.

أما القوى الجديدة فما زالت غير قادرة على تنظيم نفسها ضمن تجمع سياسي متماسك، والإتيان ببرامج سياسية واقتصادية مدروسة، تمكِّنها من وضع تصورات سليمة لمستقبل البلد، قابلة لأن توضع موضع التنفيذ، وطالما بقيت هذه القوى غير منظمة، فإنها ستبقى هامشية وغير مؤثرة، ما يعني أن القوى السابقة ستبقى تتحكم بالمشهد السياسي والاقتصادي والأمني على الأمدين القريب والمتوسط، على الرغم من رفض غالبية الشعب لها ولنهجها السياسي وولاءاتها الخارجية.

ومن أجل أن تكون القوى الجديدة مؤثرة فإن عليها أن تشكل لجانا متخصصة في السياسة والاقتصاد والأمن والخدمات لدراسة أوضاع البلد دراسة علمية، ثم تعقد لها مؤتمرا تتبنى فيه السياسات التي توصلت إليها اللجان المتخصصة، وتنتخب لها قيادات سياسية كي تتمكن من أن تشكل معارضة حقيقية فاعلة على الأمد القريب، وربما حكومة فعالة في المستقبل، قادرة على النهوض بأعباء البلد الثقيلة.

مازالت القوى الجديدة مشتتة وتبحث عن مناسبات هامشية وغير مهمة لإثبات نزاهتها وكفاءتها ولياقتها للقيادة، كأن تعلن عن تخليها عن امتيازاتها المالية التي توفرها لها عضوية البرلمان، كدليل على نزاهتها وحسن نيتها، بينما هي في الحقيقة تضعف نفسها بهذه الخطوات غير المؤثرة، والمطلوب منها أن تتخذ خطوات على طريق التماسك السياسي، والتعريف بسياساتها وأعضائها كي تتمكن من خلق قاعدة شعبية لها، تمكنها من البقاء والتمدد، وتستخدم امتيازاتها المالية لتحسين أدائها والترويج لأفكارها وسياساتها، وإبراز قدراتها والتصدي للقوى الفاسدة الأخرى وتعريتها أم الرأي العام. التخلي عن الحقوق حاليا ينفع الخصوم وليس البلد.

القوى القديمة، خصوصا المسلحة منها والتي تتمتع بدعم إيراني، تسليحي واستخباري ولوجستي وسياسي وديني، تعرف جيدا بأن الشعب العراقي يرفضها ويرفض فسادها وإرهابها وأساليبها في الحكم وتبعيتها لإيران، لذلك لجأت إلى استخدام السلاح كي تبقى، وقامت مؤخرا باستهداف السفارة الأميركية بالصواريخ ثم تفجير مقرات الأحزاب السياسية الكردية والسنية لأنها قررت التحالف مع التيار الصدري لتشكيل الحكومة المقبلة. إن مهاجمة الأحزاب السياسة المنافسة بالسلاح سوف يدفعها للتسلح لحماية نفسها ما يحوِّل العملية السياسة إلى معركة دامية، والبلدَ إلى ساحة حرب.

التيار الصدري الفائز في الانتخابات الأخيرة هو من القوى القديمة، لكنه يتميز عنها بالقدرة على تغيير مواقفه السياسية، تمشيا مع الإرادة والمزاج الشعبيين، على عكس القوى الأخرى التي لا تستطيع البقاء إلا عبر وجودها في الحكومة واستغلالها موارد الدولة وسلطاتها. ومن هنا يأتي تمسك هذه القوى بالمشاركة في الحكومة رغم خسارتها في الانتخابات، لأنها تخشى أن خروجها من الحكومة يعني خروجها من العملية السياسية كليا، بسبب انحسار تأييدها، واتهامها باستخدام سلاحها ضد مخالفيها في الرأي والتوجه السياسي.

المحكمة الاتحادية أوقفت عمل هيئة الرئاسة بناء على دعويين قضائيتين أقامتهما القوى الخاسرة، باعتبار أن الجلسة الأولى للبرلمان غير شرعية وحصل فيها تجاوز على الرئيس المؤقت، علما أنه ترك الجلسة بإرادته وغادر مدعيا إصابته بوعكة صحية، الأمر الذي استدعى انتخاب رئيس مؤقت جديد، وهو خالد الدراجي، وفق المادة الدستورية التي تنص على أن يتولى أكبر الأعضاء الحاضرين سنا إدارة الجلسة الأولى للبرلمان. وقد مضت الجلسة حسب الأصول الدستورية وانتخُب الرئيس ونائباه في الجلسة الأولى كما ينص على ذلك الدستور.

ولأن المحكمة الاتحادية أرجأت النظر في الدعويين المطالبتين بإبطال الجلسة الأولى للبرلمان إلى يوم 25 يناير الجاري، فإن البرلمان لن يتمكن من الالتزام بالمُدد الدستورية التي تنص على أن ينتخِب رئيسا للجمهورية في موعد أقصاه الخامس والعشرون من الشهر الجاري. غير أن هذه المخالفة لن تشكل خرقا دستوريا لأنها مفروضة من المحكمة الاتحادية التي يحق لها وحدها تفسير نصوص الدستور، وبذلك لابد أن تعتبر فترة تعطيل عمل هيئة الرئاسة خارج المدة الدستورية. مع ذلك، فالتعطيل لا يمنع القوى السياسية المعنية بتشكيل الحكومة، وهي الكتل البرلمانية الثلاث الكبرى، التيار الصدري وتقدم-عزم والحزب الديمقراطي الكردستاني، من التفاوض حول المرشحين للرئاستين المتبقيتين، وهما رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء.

وكما جرت العادة بعد كل انتخابات، فقد بدأت قوائم الترشيحات، أو بالأحرى الترويجات، تترى، وكل يوم تظهر أسماء لا علاقة لها بالسياسة أو الإدارة أو الحكومة، من الطامحين بتولي منصب حكومي، حتى أن بينهم دبلوماسي يمثل دولة أخرى يعمل ممثلا لبلده في العراق! وهذه الفوضى من أخطر عيوب النظام السياسي العراقي، أن يتولى من لا عهد له بالسياسة أو الحكومة منصبا سياسيا، فالنتيجة ستكون الفشل المؤكد.

يجب أن يكون تشكيل الحكومة العراقية مختلفا هذه المرة. فالانتخابات استثنائية وأجريت بسبب انتفاضة الشعب العراقي ضد الفساد والمحاصصة والتبعية لإيران. وقانون الانتخابات هو الآخر جديد، أتاح الفرصة للمستقلين وأعضاء القوى الجديدة الذين يتمتعون بشعبية في مناطقهم أن يصلوا إلى البرلمان، وهناك الآن كتل ثلاث كبرى تمثل كل مكونات الشعب العراقي، يمكنها أن تأتلف لتشكل الحكومة الجديدة التي ستتولى مهام إصلاح السياسة والاقتصاد والخدمات واستعادة الأمن وجلب المجرمين والسراق إلى العدالة ولجم المليشيات الخارجة على القانون.

لا يمكن الفاشلين الذين تولوا مناصب سابقا أن يحققوا نجاحا هذه المرة، أولا لأنهم لا يستحقون فرصة جديدة، بل كان يجب أن يحاسبوا على أدائهم السابق، خصوصا التساهل والتواطؤ مع الفاسدين والقتلة، وعدم تفعيل القانون ضدهم. وثانيا لأنهم على الأكثر امتنعوا متعمدين عن تقديم أي إنجاز للبلد، مفضلين تقديم إنجازات للقوى التي أتت بهم إلى مناصبهم، وثالثا لأنهم أساسا غير مؤهلين للقيادة والإدارة ولم يتعلموا من تجاربهم السابقة، إضافة إلى كثيرين منهم ليس لديهم مشروع وطني، خصوصا وأنهم كانوا جزءا من جماعات سياسية أثْرت على حساب المال العام واستولت على مقدرات البلد وعقارات الدولة وهرَّبت العملة وقربت الفاسدين وعملت بوقاحة لخدمة دولة أخرى لديها مشروع أيديولوجي تخريبي في المنطقة.

إن إعادة تدوير السياسيين الفاشلين وجلبهم من جديد في الحكومة المقبلة دليل على فشل ذريع للكتل السياسية الفائزة التي يجب أن تبدأ بداية جديدة وتشكل فريقا من المخلصين المتحمسين لخدمة البلد كي يحققوا تغييرا حقيقيا ويؤسسوا لدولة حقيقية يمكن أن يكافئهم الشعب على نجاحهم وينتخبهم مرة أخرى. أما التجمد في الماضي والدوران حول رموز الفشل، فلن يحل المشكلة العراقية ولن يؤدي إلى إحراز تقدم في أي اتجاه. القوى الفائزة تخاطر بشعبيتها ومستقبلها السياسي إن هي سمحت للفاشلين في إدارة البلد من جديد، خصوصا مع وجود مئات العراقيين الأكفاء المستعدين لخدمة بلدهم والتضحية من أجل تماسكه واستقلاله وتقدمه.

ملاحظة/ جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كاتبها…

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*