Home » ثقافة » حكومة أغلبية بلا مشروع، أفضل مِن توافقية هَشّة

حكومة أغلبية بلا مشروع، أفضل مِن توافقية هَشّة

الإثنين 2022/01/31
إياد العنبر…
في سجالات العراقيين السياسية لا نختلف على التشخيص، ولكنَّ خلافنا دائماً يكون على طرح الحلول الناجعة وإمكانية تطبيقها على أرض الواقع. بيد أن المشاكل لا تنتهي بتشخيصها، بل تزداد حدّتها عندما يتراجع عنها أو يتنكّر لها الكثير مِن السياسيين… بدعوى أن الظروف غير ملائمة لتطبيقها في الوقت الراهن! وهنا ممكن أن تثار الكثير من علامات الاستفهام على تصريحات السياسيين الذين كانوا ينتقدون فيها التوافقات والمحاصصة والشراكة في تشكيل الحكومات، التي كانوا هم طَرَفاً فيها دائماً، ويقولون بعبارات صريحة لا تقبل التحريف ولا التأويل أنَّ أساس الفساد والخراب والفشل هو تشكيل الحكومات على أساس التوافق بين الفرقاء السياسيين والحل هو في تشكيل حكومة الأغلبية! هل كانت تلك التصريحات ثرثرة سياسية، أم حلول لأزمة الحكم في العراق؟ كيف يمكن لمن يدعي “الزعامة السياسية” أن يطلق حلولاً، ويتنكّر لها لاحقاً؟

قد تكون المشكلة الحقيقة في تفكير السياسيين أنفسهم الذين يقولون ما لا يعلمون ولا يفعلون، ومواقفهم السياسية تتقاطع تماماً مع تصريحاتهم. ويبدو أنَّهم لا يدركون أنَّ اليوم نعيش في عالم الإنترنت الذي لا تترك وسائله تصريحاً إلا وتناقلته، ويكون مِن السهل استذكاره والاحتجاج به لنقد التغيير في المواقف.

يتبجَّح بعضهم بالقول: إنَّ حكومة الأغلبية نعم هي حل لأزمات العراق، لكنَّ الموضوع يجب أن يكون مقترناً بظروف موضوعية وسياسية تفتقدها العَمَليّة السياسية في الوقت الراهن! هذه الإجابة تحمل الكثير مِن التناقضات، كونها لا تنتقد الظروف التي كُتِبَ فيها دستور العراق الذي أسس لِلكثير من الإشكاليات في إدارة الدولة، ورسخ نظام حكم هجين تتقاسم السلطاتُ فيه حكومةً اتحادية وإقليماً ومحافظات بطريقةٍ تُخالف الأنظمةَ الفدرالية.

لذلك التحجج بعدم صلاحية الظروف السياسية لِلذهاب نحو حكومة الأغلبية حجّة واهية وهي أصلاً غير موضوعية، والموضوع يحتاج لِكثيرٍ مِن الصراحة والشجاعة بالاعتراف بأنَّ المشكلة ليست بالظروف وإنّما بالخوف مِن عدم المشاركة بالحكومة القادمة؛ لأنَّ ذلك يعني خسارة النفوذ والسلطة في الحكومات التوافقية التي كانت بمثابة جنّة فردوس تعتاش فيها الطفيليات السياسية، والتي وسَّعَت دوائر هيمنتها وسيطرتها على موارد الدولة!

عندما يختزل مفهوم الحكومة التوافقية بتقاسمِ الوزرات وتوزيعها كحُصصٍ لهذا الحزب أو ذاك، ولا أحد يتحمّل مسؤوليةَ الفشل في إدارة الحكم، وتغيب ملامح المساءلة السياسية والمسؤولية عن اتخاذ القرار السياسي ومَن يرسم السياسات العامة، فلا يمكن وصف نمط الحكم هذا إلا بالتوافقية الهشّة أو توافقية توزيع مغانم السلطة. إذ منذ 2006 تشكلت خَمسُ حكومات سابقة على أساس تحالفات سياسية تتوافق على أسس تقاسم الوزرات لا أكثر ولا أقل، وسرعان ما تنهار هذه التوافقية الهشّة بعد تشكيل الحكومة وتقاسم الوزرات، ونعود إلى خطابات التسقيط السياسي بين الخصوم.

بالمقابل، لا يمكن القول أنّ حكومة الأغلبية التي ينادي بها السيّد مقتدى الصَّدر تملك كلَّ الحلول لأزمات العراق السياسية والاقتصادية؛ كونها لا تجمع فرقاء سياسيين ببرنامج سياسي واضح وصريح. لكنَّ ذلك لا يعني أنها ليست خياراً أفضل مِن تكرار أخطاء تشكيل حكومة توافقية. ومَن جرَّبَ المجرب حلَّت به النَّدامة، وطوال ثمان عشر عاماً جرّبنا حكومات توافقية لم تكن إلّا حكومات فاشلة وفاسدة وظيفتها الرئيسة خدمة مصالح الطبقة السياسية وهَدر موارد الدولة لِصالح تنمية موارد الاقطاعيات السياسية وزبائنها.

لا يمكن أن ننتقد مشروع الذهاب نحو تشكيل حكومة الأغلبية، لمجرّد أنها تقصي طرفاً سياسياً دون آخر، أو كونها تستهدف تغيير خارطة التحالفات السياسية التي كانت قائمة على أساس البيوتات المكوّناتية الشيعية والسنية والكردية! فهذه الانتقادات لا تريد مغادرة نمط الحكم العقيم الذي يتاجر بحقوق أبناء المكونات ويبقى عاجزاً عن تقديم أيّ خدمة لِلمواطن، ويزيد من هشاشة الدولة وقطيعتها مع المجتمع.

حكومة الأغلبية يجب أن تكون البداية لِتصحيح نمط الحكم وإدارة الدولة، لا يجب أن يكون مشروعها الاستحواذ على السلطة فقط، وترسيخ رمزية زعامات سياسية. فهذه الحكومة سوف تزيد من معاناة العراقيين ومحنتهم مع الحكومات السابقة. ولا يجب أن تكون بداية لِتصفية حسابات سياسية قديمة، ولا لِلثأر مِن الخصوم السابقين وإخلاء الساحة مِن المنافسين. لأنَّ كل هذه الخطوات سوف تساهم في كسب جولةٍ واحدة فقط، لكنّها مستقبلاً ستكون السبب في خسارة المعركة النهائية التي يجب أن يكون هدفها استعادة الدولة لا الاستفراد بحكمها والاستحواذ على مواردها، فهواجس الخوف من عودة الدكتاتورية بعنوان شرعيّة الانتخابات لا تقل سوءاً مِن حكومة توافقية، لاسيما أنها لا تزال رغبة تراود الكثير من السياسيين.

يمكن أن نرهن أمالنا على حكومةٍ أغلبية في تصحيح مسار العَمَلية السياسية، حتّى وإن كانت بلا مشروع ولا رؤية واضحة المعالم يتفق فيها الشركاء السياسيون، كونها السبيل الوحيد نحو بداية الخلاص مِن حكومات فاشلة تنتجها معادلة الحكم القائمة على أساس التوافقات الهشّة، والتي أثبتت عجزها عن تقديم أي منجز لأبناء المكونات بصورة خاصّة ولِلمواطن بصورة عامّة.

حكومة الأغلبية لم تعد خياراً تفضيلياً على حكومة توافقية، وإنما هي بمثابة الفرصة الأخيرة لهذا النظام السياسي والطبقة السياسية الحاكمة لإعادة ثقة المواطن بالحكومة والدولة، كما أنها يجب أن تكون قادرة على إيقاف كلّ تداعيات الفوضى والخراب، لا أن تؤسس لتراكمات فشل سياسي جديد. فهي فرصة لتصحيح الأخطاء السابقة والبدء نحو مشروع حكومة قويّة يقودها رجالات دولة حقيقيين وليس مراهقين سياسيين يبحثون عن بهرجة السلطة وامتيازاتها دون أن يكون لهم أيَّ منجز سياسيّ أو اقتصاديّ أو خدميّ.

ملاحظة/ جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كاتبها…

 

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*