Home » اراء و مقالات » كيف يحل العراقيون ازماتهم؟

كيف يحل العراقيون ازماتهم؟

الأربعاء 2022/02/02
منال حميد غانم…
كنت في الثامنة من عمري عندما احتلت البلاد من الولايات المتحدة الامريكية بمعاونة سخية وودودة من الملفوظين من قبل النظام البائد الى الخارج. وكثيرا ما كنت اسمع بأن تلاشي الفوضى التي عشناها مرهون (بتشكيل حكومة)… وبقينا حوالي السنة نحن الاطفال لايدهشنا سوى سرعة سير الاحداث امامنا وتقلب الاراء وفرش الاسرار عل سفرة المائدة, حيث اصبحنا اشخاص لايشكلون خطرا عندما يتحدثون عن ذويهم في المدرسة او الشارع, ولا نسرّع ببرائتنا سجن اباؤنا او التمثيل بهم كما كان يحدث سابقا, ففجأة يكتشف واحدا منا ان ابوه عضو في الحزب الشيوعي وترى اكوام الكتب قد استخرجت من السرداب او والدتك سجينة سياسية ولالتزال تحتفظ بحلي صديقاتها ممن لقين حتفهن في المعتقلات وتعيد التمعن بها او تشمها بدون خوف, ايام لانفهم منها مالسبب وراء تسوية مدارسنا في الارض او تجول الدبابات في الشوارع؟ كانت ايام غريبة جعلتنا نسمع مصطلحات صعب لفظها واخىر صعب فهمها من قبيل ديمقراطية وحرية وبرلمان وانتخابات واقتراع وغيرها. وتشكلت الحكومة بعد شهور وشهور من محاولت تغيير حتى عقيدة المجتمع الدينية لاسلطته فحسب, فكنت اغار من صديقتي العائدة من ايران مع ابيها المسفّر عنوة من العراق الى ايران, عندما يسألها المشرف التربوي او المصلح الديني _ و صدقا انا لاعرف ماذا كانت وظيفته بالضبط لكنهم كانوا يأتون الينا بأستمرار بزي جدا متواضع بنطال وقميص اسود وجباه مكوية وشعر ذقن ابيض خفيف _ عن اسماء الائمة الاثني عشر بالترتيب. وانا كنت لااستطيع حفظهم او يسألنا عن حفظنا لأناشيد تمجد الامام علي وانا ايضا لا اعرف بينما كانت زميلتي تعرف وعندما نسألها كيف تعرفين كل هذا تقول لنا بأنها تعلمته من مدرستها في ايران . اما نحن فقطعا لا نعرف سوى تلك اتي تمجد صدام وحزب البعث. ومع ذلك كان هذا الرجل يسألنا وبشكل دوري هذه الاسئلة ربما اراد تأنيب ضمير الفتيات الصغيرات ليكن كبنات المسفرين او حثنا لزيادة التدين والقرب من الدين وكان له مااراد بلا شك فغالبية زميلاتي حملن التوجه الديني وتخصصن فيما بيعد بالدراسات الدينية او واضبن لحضور الدروس الحوزوية.

وتشكلت الحكومة وكانت شيعية بالغالب ومع ذلك لم تكن هي الحل للخلاص من الفوضى وجربت مع عائلتي النزوح وثمنّا معا معنى ان يكون لنا بيت ولو صغير نملكه ونتحكم بتدفئته وتبريده. وبدأت اسمع اسئلة لا اعرف معناها او كانت تبدو لي غير واضحة من قبيل (انتي صدرية لو حكيمية؟) و (هل تؤمنين بظهور الامام المهدي؟) و (الله اليستر من هاي الجمعة) لم اكن ولا اقراني نعرف معنى التوجه الفكري او اختياره ولا اعتقد الكبار من الشباب كانوا يفهمون ذلك بقدر معرفتهم للموقع الجغرافي لحضورهم في ايام الجمع وتحديدا بعد صلاة الجمعة. فأذا كان في مسجد السهلة فهو صدري من اتباع مقتد الصدر واذا كان يحضر الصلاة والخطبة السياسية في مسجد الامام علي فهو حكيمي وامي وصديقاتها وجاراتها يرددن كل خميس (الله اليستر من هاي الجمعة) والقصد هو الخوف من حدوث انفجار اوالجزم بحدوثه لكن الستر الذي كانت ترجوه هو من جسامة الخسائر او بساطتها. ولم تنستر حتى قضى احدها على عمل والدي وارجعته الى نقطة الصفر . وبدأنا نسمع جمل من قبيل (اذا مات ابو مصعب الزرقاوي رح ينتهي كل هذا) ومات ابو مصعب واحتفل العراقيين بموته بأطلاق العيارات النارية في الشوارع وتوزيع الحلوى على الجيران والمحلات, لكن الخراب لم ينتهي بل اخذ بالتزايد وازدادت اعداد الانفجارات وتجمعت اشلاء الشهداء من جرائها لتكوّن هرما قمته لامست عنان السماء, واصبحنا نستسيغ رائحة البارود ولون الدم عل شاشات التلفاز اثناء تناولنا الطعام. وقيل لنا فيما بعد ان الفوض ستنتهي بمجرد القبض على نجلي صدام حسين عدي وقصي وايضا فرح الجميع وزغردت النساء لخبر موتهم, ولكن لم يعم السلام حتى ايقن الجميع ان موت صدام حسين هو الحل فذبح لهم كأضحية للسماء بأول ايام عيد الاضحى المبارك. ولم ينتهي الالم بموته. وعدنا الى النقطة الاولى من الدائرة وهي (بمجرد خروج الجنود الامريكان سيعم السلام) ويرفرف الحمام الابيض في سمائه حاملا اغصان الزيتون. وخرج الجنود وتم الجلاء ولم نعش السلام ولم نشم عفونية او زكاوة رائحته. فأنا طفلة لم اعش السلام لكي اصفه اعذروني.

ثم حضر التقشف وسيطر على البلاد وضيق على الناس عيشهم واعتقدوا حينها ان بمجرد زوال التقشف وصعود سعر برميل النفط سوف ينتعش الاقتصاد , وينتهي معها حفل قطع الرواتب بضرائب مختلفة بعضها لايفهمها الموظفقون اصلا ويصبح للناس قوة شرائية جيدة و تنتهي ديونهم. لتسيطر داعش على ثلث البلاد, ويترنح هذا العذر كسبب لخراب وفوضى البلد لأربع سنوات وكأن الحياة قبل داعش كانت زهرية. وطوال تلك المدد كان عذر (عند مجيء الانتخابات سينتهي كل هذا) يضعف ويقوى حسب درجة تفائل الجماهير او احباطهم.

من كل هذا نستطيع ان نصل الى نتيجة, اننا محترفون بحرق الوقت كمتفرجين من الطراز الرفيع امام مسرح الاحداث هذا. فالمواطنون ظلوا يرتدون دور المتفرج غير المساهم بتغيير ديناميكية الاحداث. ودور المنتظر لأنتهاء هذا العرض المجنون . ولن يبارحوا اماكنهم حتى لو قذف الممثلون اثاث المسرح عليهم, وسيتشبثون بمقاعدهم حتى لو انزعج احد الابطال او تقيء عليهم… لايهم, المهم ان لايبارح مقعده كمتفرج.

ثمانية عشر عام ولم تستطع الجماهير ان تدرك ان لها دور البطولة وليس التلقي, فمن الغريب ان شعب ما, يجرب اسلوبا غير نافع في التعامل مع سلطته وتثبت له الاحداث والسنون انه اسلوبا عقيم ويستمر بأنتهاجه منتظرا نتائج مختلفة. يجب ان يكون للجماهير دور في المشاركة والرفض اول بأول. لا انتظار الحدث لكي يتمم نتيجته السلبية بل ان يكون يقض وواعي لما يدور حوله , يذكرني هذا بالتجربة المصرية الحديثة فعلى الرغم من بقاء الحكم ديكتاتوريا في مصر حتى بعد الثورة, الى انهم وفي مرحلة حكم محمد مرسي وعندما شاهدوا كم التقارب المخيف بين حكومته والسلطة الايرلانية اعادوا التظاهر من جديد ورفضوا الحكومة برمتها رغم انها تحمل الشرعية الدستورية بالكامل, واضعين التجربة اللبنانية والعراقية نصب اعينهم. لانتكلم عن استنساخ التجارب فكل بلد له ظروف تختلف عن الاخر لاتسمح بأستنساخ اي تجربة سياسية لكن مايهمنا هو بقاء الاعين مفتوحة لترفض اي مستجد تشعر بأنه يشكل خطرا على مستقبلها القريب او البعيد لا التسليم بحدوثه وكأنه قضاء وقدر لا  فكاك منه.

ملاحظة/ جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كاتبها…

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*