Home » اراء و مقالات » انا افكر إذا انا مرفوض

انا افكر إذا انا مرفوض

السبت 2022/02/05
علي البيدر…
في القرن السابع عشر قال المفكر والفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت : أنا أفكر إذا أنا موجود ، ليرد عليه عراقي متهكم بعد اربعة قرون بالقول : انا افكر إذا انا مرفوض. لا اعرف من قائل المثل الدارج ( لا تفكر لها مدبر) ولو كنت اعرفه لذهبت اليه وطلبت منه تصحيحه الى ( فكر لها مدبر) كي تجتمع إرادة ما تؤمن به مع تفكيرك الذي يمكن له قلب المعادلة وتصحيح مسار اي خطوة تخطوها لتطوير نفسك او المجتمع.

ان مسألة طرح افكار جديدة اصبحت قضية شبه مستحيلة او حتى مستحيلة في مجتمع يمقت التفكير وينزعج من المفكرين برغم قلتهم وعدم تفكيرهم بصوت مرتفع، يحاولون طرح أفكارهم في نطاق ضيق، تهمشهم السلطة دائما كما تهشم رؤوسهم الرصاصات الطائشة او غير الطائشة التي تعمل على قتل أفكارهم قبل ان ترى النور احيانا، سيما ان كانت لا تروق لمن يحمل السلاح ويريد فرضه ارادته على الجميع. ان اي فكرة جديدة حتى وان طرحتها شخصيات عميقة سوف تجابه بالرفض والاستنكار مهما كانت واقعية ومفيدة, كونها ستلغي افكار سابقة وتؤسس لتغيير معين تخسر من خلاله شريحة واسعة من المستفيدين من بقاء موقف معين على ما هو عليه.

ان الافكار الجديدة التي طرحها العظماء من الانبياء والمفكريين جوبهت برفض قاطع حتى جرى اتهامهم في بادئ الامر بالكفر او الجنون, لكن عزيمتهم المتقدة كانت كفيلة في التغلب على العقبات التي اعترضت افكارهم لتصبح منهج حياة فيما بعد لمجتمعات مختلفة.

ايا كانت الفكرة التي توصلت اليها فيجب نشرها فوق رؤوس المجتمع حتى لو علمت بعدم التفاعل معها بالشكل المطلوب, فهي تشبه نواة ثمرة غرسها فلاح كهل قد لا يستفيد منها شخصيا, الا انها حتما ستدر لمن يخلفه الفائدة بعد ان تصبح ذات يوم شجرة باسقة يستظل تحتها الناس على اقل تقدير, وهذا بحد ذاته امر نافع. برغم اكتظاظ الساحة العراقية اليوم بالكثير من المنظرين للأفكار والمعارف، إلا أن هؤلاء المنظرين أصبحوا مجرد اداة يسردون المعلومة بطريقة النسخ واللصق دون أن يكترثوا لروح الفكرة التي تحتويها المعلومة ببساطتها او تعقيدها. المعلم الذي لا يقدم الفكر لتلاميذه لا يعتبر معلما بقدر ما انه ملقن. أستاذ الجامعة الذي لا يغذي طلبته بالأفكار هو راوٍ لما يعرف لا غير. رجل السياسة الذي لا ينشر الأفكار بين مستمعيه يعتبر مجرد اداة لنقل التأريخ والحاضر. الصحافي والإعلامي الذي لا يكتب او يتحدث بفكر هو منمق للكلام لا اكثر. كل تغيير إصلاحي حدث عبر التأريخ قام على فكرة خرجت من ذهن احدهم لتصبح واقعا بعد ان جرى تشذيبها بما يتلاءم مع حاجتنا إليها. الأفكار هي التي صنعت حضارة الإنسانية هذه. حضرتك الآن تقرأ هذا النص من خلال افكار بعض الذين صنعوا الجهاز الذي اوصل اليك المتن والموقع الذي استطعنا من خلاله التواصل، هذه التطورات التكنولوجية كانت أفكارا حبيسة في مخيلة احدهم ذات يوم واصبحت جزء من يومياتنا.

ما اود قوله لكم: ان المنظرين الذي يستطيعون التواصل مع اي محيط لن يحدثوا أية بصمة ابداعية تجعل احفادنا يتذكرونها ما لم يقدموا أفكارا إصلاحية مختلفة يفضل ان تكون اكثر جرأة في الطرح وانتقاد الواقع. اليوم وبفضل افكار السابقين قد نرى اننا لسنا بحاجة الى مزيد من الاختراعات والتطورات على حياتنا التي وصلت الى درجة التخمة من التقدم والإبداع، لكن هذا التطور لن يتوقف عند هذا الحد، بل يجب ان يصل الى مستويات خيالية قياسا بواقعنا كما يرى كثيرون يحاولون تحسين الحياة اكثر واكثر. كل هذا وهناك مجتمعات ماتزال ترفض التفكير فكيف بها ان تصنع فكرة مختلفة ناضجة؟ التفكير عملية مرهقة جدا للجسد والروح والذهن تجعلك تبحث عن معنى لماذا و كيف ووو…الخ من الاستفهامات.

ان الغريزة البشرية المطلقة تبحث عن التميز والتفرد لا اكثر، وجلب هذا التميز والتفرد لن يأتي دون وجود فكرة مختلفة ناضجة تجعل صاحبها اكثر حضورا من غيره. حضرتك تعرف من خلال وسائل الإعلام او المجتمع او حتى كتب التأريخ، الكثير من العناوين الحالية والسابقة لشخصيات ناجحة بعد ان كانت نماذج مميزة في مجالات (سياسية * ادبية اقتصادية *دينية *عسكرية علمية *اكاديمية *فنية *رياضية *حكومية …الخ ) من عناوين النجاح، لن تتصور ان هذا النجاح لن يكون له اي ذكر بعد ان اصبح العالم مليئا بالكم والنوع مالم تحمل تلك العناوين التي كانت ناجحة ذات يوم فكرة إصلاحية مغايرة.

ليوناردو دافنشي الشهير كان يدس الفكر في لوحاته وبيتهوفن قدم فكرا من خلال موسيقاه الخالدة وعادل إمام جعلنا نشاهد الافكار في اعماله مثلما فعل عبدالحليم حافظ في اغانيه، اما رب الاتكيت العالمي ابو الحسن بن نافع الموصلي المعروف بزرياب، اذ قدم للعالم الفكر قبل ان يقدم له ابداعاته في مجالات عديدة.

ختاما ايا كانت طبيعة الفكر الذي تؤمن به، تحرري، راديكالي، فيجب ان يكون رأس رسالتك في النجاح وليس متكئا للوصول الى هدف مستنسخ، اي مكانة من النجاح ترتقيها فهي مجرد تكرار لحالة سابقة ما لم تكن مدعومة بفكر وفكرة تكون نواة لاصلاحات لاحقة حتى وان اعتبرها البعض مجرد هرطقات لا قيمة لها الآن.

ملاحظة/ جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كاتبها…

 

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*