Home » ثقافة » تحولات المصالح الأميركية.. من الاستقرار إلى مواجهة الإرهاب

تحولات المصالح الأميركية.. من الاستقرار إلى مواجهة الإرهاب

السبت 2022/02/05
عقيل عباس…
الإعلان الاميركي مؤخراً عن قتل زعيم تنظيم داعش، أبو إبراهيم القريشي، في عملية لقوات خاصة أميركية شمال غرب سوريا يمثل نجاحاً اخر لاستراتيجية أميركا في مواجهة الإرهاب أمنياً، بدلاً من مواجهته سياسياً عبر استراتيجية بناء الأمم الفاشلة.

لم تكن منطقة الشرق الأوسط ضمن الاهتمامات الاستراتيجية الأميركية، إلا بعد بروز الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي الشيوعي، بزعامة الاتحاد السوفيتي، والمعسكر الغربي الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة، في الخمسينات.

مع ذلك، لم تدفع هذه الحرب الباردة، كصراع مصيري ومركزي على مستوى عالمي، إلى الدخول مباشرة في المنطقة، إذ كثيراً ما اعتمدت على حليفتها بريطانيا لضمان اصطفاف دول المنطقة إلى الجانب الغربي في الصراع.

لم تشأ اميركا حينها أن تزاحم بريطانيا في مناطق نفوذها التقليدية في الشرق الاوسط، إلى أن بدأ نفوذ الأخيرة يتراجع خصوصاً بعد فشل العدوان الثلاثي الذي قادته، وشاركت فيه إسرائيل وفرنسا، ضد مصر في 1956، وخسارتها حليفها الأساسي المتمثل بالعراق الملكي في 1958، وصعود النسخة الناصرية من القومية العربية المناهضة للغرب “الإمبريالي” التي هيمنت على امتداد الستينات.

على امتداد الستينات، التي شهدت التحديات الأشد للنفوذ الغربي في الشرق الأوسط العربي، بدأت تتشكل تدريجياً استراتيجية أميركية أوسع وأوضح بخصوص المنطقة، على أساس استقطابات الحرب الباردة: دعم حلفاء المعسكر الغربي في المنطقة ومواجهة حلفاء المعسكر الشرقي. هكذا برزت أهمية إسرائيل كـ”واحة للديمقراطية”، ومنصة مهمة في مواجهة المد الشيوعي في “صحراء” استبداد مشرقي تحالف معظمه مع المعسكر الشرقي، لتعلن أميركا، في عهد الرئيس جون كندي، التزامها لأول مرة بالدفاع عن أمن إسرائيل، كمصلحة استراتيجية قومية أميركية.

ترافق مع هذا الالتزام، التزامٌ آخر يتعلق بحماية إمدادات النفط الشرق الأوسطي، الذي ازدادت أهميته عالمياً خصوصاً بعد الحظر النفطي العربي (السعودي-العراقي أساساً) في أثناء حرب تشرين في 1973، وما قاد إليه من ارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط.

ارتبط استقرار إمدادات النفط ايضاً باستقرار حلفاء أميركا في المنطقة من الدول المنتجة له، ولذلك كانت إحدى المصالح الاستراتيجية هي الوقوف ضد ما يهدد استقرار تلك الدول. على هذا النحو، مَثَلت الثورة الإيرانية في 1979، وتمثلاتُها، من خلال الخطاب والسلوك السياسي الإيراني الثوري-الديني العابر للحدود، إحدى لحظات القلق الأميركي، كما مَثل سلوك نظام صدام حسين التوسعي، الذي قاد إلى غزو الكويت وضمها للعراق، لحظةَ قلق أخرى. لذلك اعتمدت الولايات المتحدة سياسة الاحتواء المزدوج، بإزاء هاتين الدولتين على مدى التسعينات.

وفي خلال عقد الثمانينات، الذي شهد معظمه حرباً شرسة بين الدولتين، كانت الاستراتيجية الأميركية تقوم على أن يبقى النزاع محلياً، ولا يمتد إلى باقي دول المنطقة، ومن دون انتصار حاسم لأحد الطرفين على حساب الطرف الآخر، يؤدي إلى تغول المنتصر فيما بعد وتمدده على دول المنطقة الأخرى.

لم يظهر الإرهاب ومكافحته كأحد الاهتمامات الأميركية الاستراتيجية إلا متأخراً وعلى نحو تدريجي.

كانت بداية بروزه في التسعينات في سياقات متناثرة، مثل محاولة استهداف برج التجارة العالمي في نيويورك في فبراير 1993، عبر تفجير سيارة مفخخة في مرآب المبنى الضخم أدى إلى قتل 6 أشخاص وجرح أكثر من ألف آخرين. ثم كانت هناك عمليات إرهابية في بلدان أخرى، معظمها صديقة للولايات المتحدة، كما في تفجير طائرة خطوط فلبينية متجهة إلى طوكيو، استطاعت الهبوط اضطرارياً في نهاية 1994، أدى إلى مقتل راكب واحد وجرح آخرين، وسلسلة تفجيرات استهدفت وسائط نقل عام في فرنسا في 1995، وخلفت 8 قتلى، ونحو 160 جريحاً، وانفجار الخُبر في السعودية الذي أدى إلى مقتل 20 شخصاً وجرح بضع مئات آخرين وغيرها من العمليات الارهابية في مصر والهند وكينيا وتنزانيا.

كان القاسم المشترك بين كل هذه العمليات هو أن مصدرها متطرفون إسلاميون من الشرق الأوسط. برغم الدعوات والرغبات في أميركا وخارجها لتطوير استراتيجية عالمية لمكافحة الإرهاب، تعاملت أميركا عملياً مع هذه العمليات على أنها تحديات مرحلية ومحلية في إطار بلدان مختلفة تستدعي تعاوناً استخباريا أوسع.

جاء تحول الإرهاب إلى تحدٍ استراتيجي عالمي يقتضي إعادة صياغة أولويات الأمن القومي الأميركي بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 التي قُتل فيها نحو 4 آلاف أميركي. قاد هول الحدث والخوف من تكراره بأشكال مختلفة، الولايات المتحدة إلى فهم جديد لدورها في العالم عموماً والشرق الأوسط خصوصاً، إذ تبنت المؤسسات السياسية الأميركية رسمياً ولأول مرة في التاريخ الأميركي، استراتيجية تغيير الأنظمة بالقوة العسكرية ونصب أنظمة جديدة في إطار ما فُهم واسعاً ببناء الأمم. عنى هذا تجفيف منابع الإرهاب، عبر الإطاحة بأنظمة تمثل خطراً إرهابياً أو أمنياً على الولايات المتحدة واستبدالها بأخرى ديمقراطية تصبح مثالاً ناجحاً، سياسياً واقتصادياً، لدول المنطقة خصوصاً والعالم الإسلامي عموماً. من خلال هذه الأمثلة الناجحة المفترضة، يتم تفكيك الكراهية للغرب، التي اعتبرت جذراً اساسياً ومشتركاً بين التنظيمات الإرهابية، ودفع الشرق الأوسط أكثر نحو التحديث السياسي والاقتصادي والانفتاح بإزاء الاختلاف.

مَثَّلَ العراق وأفغانستان الاختبارين المُنتظَريَن لإثبات هذه الفرضية الأميركية الجديدة. كان العراق هو الأهم في هذين الاختبارين، لجهة استثمار الولايات المتحدة فيه، بسبب إمكانات تأثيره الواسع، في حال نجاح التجربة الأميركية فيه، على بقية العالم العربي. استثمرت الولايات المتحدة فترة إدارتي الرئيس جورج بوش الأولى والثانية لإنجاح مشروعها العراقي، لكن فَشلَ هذا الاستثمار بسبب القرارات الأميركية الحمقاء في العراق بين 2003 و2005 بينها القبول بافتراضات مغلوطة عن معنى السياسة في البلد، تمحورت حول ترسيخ الهويات الجماعية، وتفاعلها في إطار الديمقراطية التوافقية (المحاصصة في المناصب والتوافق في صناعة القرار).

قادت هذه الافتراضات المغلوطة إلى التحالف مع الممثلين السياسيين لهذه الهويات، والمستفيدين منها، من أحزاب إسلامية شيعية وقومية كردية التي أدارَت الدولةَ “الديموقراطية” الجديدة بوصفها مُمثلة عن مصالح احزابهم وحاميةً لها بدلاً من مصالح المجتمع.

ومع مجيء إدارة باراك أوباما في 2009، تراجعت أميركا عن مشروعها في “بناء الأمم” كسبيل لمواجهة الإرهاب، لتعود تدريجياً الى الاساليب التقليدية، الأقل طموحاً والأكثر تحديداً، بعد تطويرها تقنياً: تعقُّب الإرهابيين أمنياً والتخلص منهم.

كان النجاح واضحاً في هذه الاستراتيجية، كما في التخلص من زعيم تنظيم القاعدة، أسامة بن لادن في 2011، وزعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي في 2019، وأخيراً خليفته أبو إبراهيم القريشي هذا الأسبوع.

بين مقتل بن لادن والقريشي 11 عاماً، استطاعت أميركا فيها التخلص من عشرات من زعماء في تنظيمات إرهابية في أفغانستان وباكستان واليمن والصومال وغيرها. عبر ذلك كله، حمت أميركا أمنها القومي الداخلي إذ لم تتعرض لأي عملية إرهابية على أراضيها بعد تفجيرات 11 سبتمبر، فيما بقيت مسائل التحديث والتنمية والعدالة والديمقراطية، في إطار بناء الأمم، تشكل تحدياتٍ هائلة لدول المنطقة وشعوبها، لتواجهها بشكل فردي، وكلٌ منها على أساس ظروفها المحلية.

ملاحظة/ جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كاتبها…

 

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*