Home » اراء و مقالات » مصداقية القيادة العراقية الجديدة: أولوية تفعيل مكافحة الفساد

مصداقية القيادة العراقية الجديدة: أولوية تفعيل مكافحة الفساد

الخميس 2022/02/17
د. أحمد عبد الرزاق شكارة…
العراق والعراقيون ولاشك يستحقون إجراء القيادة السياسية الجديدة مراجعة وتقييما دقيقا شاملا لملف مكافحة الفساد باعتباره يشكل أولوية لاي جهد وطني مستحق يبذل لتعزيز المصداقية مابين الحكومة والشعب لان التاريخ لايرحم ولن يرحم من يتخلف عن دوره في تفعيل آليات مكافحة الفساد الذي إلى جانب المكافحة الشديدة للمحاصصة المقيتة بكل اشكالها،

مستوياتها وانتمائتها يعد من اولويات أجندة العراق الوطنية في ظل حكم رشيد يعرف بالاغلبية الوطنية تلبية للمصلحة الوطنية العراقية التي يفترض أن تحقق شروط ومتطلبات مستقبل افضل – لشعبنا أينما وجد – يستجيب لاهداف التنمية الانسانية المستدامة.

وفقا لكتاب القادة Leaders: Strategies for Taking Chargeاشار وارنر بننز وبرت نانس (مؤلفي الكتاب) من أن تسنم مفاتيح الحكم لإي بلد يعتمد الديمقراطية نهجا سياسيا لابد أن يرتكز على أسس المصداقية والثقة التي تمتع بها قيادته السياسية لدى الشعب وهي مسألة لم تسلط الاضواء عليها بصورة ساطعة تلم بكل تفاصيل ملفات الفساد قبل 50 عاما كما يحدث اليوم في عالم العولمة سريع الايقاع ضمن فضاء متسع تنضوي تحت أجنحته المتعددة مجسات مرهفة الاحساس “عالية التقنية”ترصد اقوال وافعال أوسلوكيات القادة في مختلف مؤسسات الدولة. ضمن هذا التصور الستراتيجي يمكننا أن نتطرق إلى طبيعة المسؤوليات الكبرى الحيوية للقطاع الحكومي حيث يفترض أن يتم التركيز على تلبية إحتياجات المواطنين الاساسية من خدمات عامة، صحة، تعليم، طاقة، مياه، بيئة آمنة خضراء نظيفة. علما أنه ومن منظور مكمل يفترض ايضا أن يتصاعد بالمقابل دور إتحادات، نقابات وتنظيمات او منظمات المجتمع المدني خاصة غير الحكومية التي تتابع متغيرات الشأن العام مكررة مطالبها بضرورة تأسيس منظومة إجرائية – قانونية فاعلة هدفها توفير حماية حقيقية لمصالح الشعب العراقي بكل فئاته المتعددة الطيف وطبقاته الاقتصادية – الاجتماعية. إن ما يحدث حاليا في العراق من بناء جديد لمرحلة ما يعرف بالاغلبية السياسية الوطنية تكتنفها تحديات كسر تقاليد مرحلة سابقة من التوافقات سلبية بين التكتلات السياسية للاحزاب والقوى التي تصدرت المشهد السياسي العراقي منذ 2003 في إطار ما عرف بنظام المحاصصة الطائفية – العرقية- القبلية والجهوية ما يعني بالضرورة إعطاء مسؤولية وطنية كبرى وصلاحيات قوية وواسعةلكل من يتصدى للازمات القائمة والمستجدة على رأسهاضرورة تفعيل المجابهة الناجعة لملفات الفساد الاداري – السياسي – الاقتصادي والماليبل والاخلاقي في الصميم؟. منظور يحتاج وبظرف زمني محدد لرؤى وجهود إبداعية هدفها الخروج بحلول إستثنائية تحجم منظومة معقدة من الفساد المستشري في مفاصل وقطاعات إلى اقصى مستوى ممكن. إن الفساد في ابسط تعريفاته هو: “إساءة أستخدام السلطة الرسمية للحصول على منفعة خاصة. ويحدث الفساد عندما يمتلك الموظف الحكومي السلطة لإن يمنع أو يمنح شيئا ذا قيمة بما يتعارض مع القانون او الاجراءات العامة، أي أنه يستبدل ذلك الشئ ذا القيمة بهدية أو مكافاة. إن الفساد شكل من أشكال النزعة الريعية “. أما أشكال الفساد فهي متنوعة وخطيرة منها على سبيل المثال وليس الحصر الرشوة التي تحظى بإهتمام واسع إلى جانب”محاباة الاقارب، أو السرقة الرسمية، أو التزوير، أو المحسوبية، أو الابتزاز” وغيرها الكثير من الاساليب “الميكافيلية”. من هنا، فإن من يتصدى للفساد عليه أن يتحمل عواقب إتخاذه لمثل هذه المسؤولية الوطنية الكبرى دون تردد أو وجل. الامر الذي يؤكد أن التصدي للفساد مسألة اخلاقية ومهنية في المقام الاول من نماذجها ما اشار إليه اللبناني الاستاذ عبد الله الحاج (معاون رئيس الديوان الملكي في العراق) عن طبيعة سلوك الاستاذ رستم حيدر وزير المالية عام 1930 “رحمه الله” حيث ” لم يتورع – الاخير- عن إنذار الخزينة الخاصة بوضع الحجز على مزرعة الحارثية الملكية بغية تسديد الرسوم المتأخرة تنفيذا لقانون تحصيل ديون الحكومة المتأخرة على الاشخاص المدينين”. إن تبريره المقنع في إتخاذ هذه الخطوة الجريئة أعترض عليها ناظر الخزينة الخاصة حينئذ وجاءت في عبارةواضحة قوية من الاستاذ رستم حيدر: ” إنني أنما انفذ أرادة جلالة الملك فهو الذي وقع على القانون بيده. وأنا أعمل على تشريف توقيع جلالته بالحجز على الحارثية.. فإن سمح بذلك فإنه يكون قد وضع الحجر الاساسي لإحترام القانون في الدولة.” ترتيبا على ما تقدم، ” لم يكن من الملك فيصل الاول إلا أن أمر بإداء ديون الحكومة عليه فورا تخلصا من حجز أمواله”. نموذج ملكي نفذ بشكل ومسار قانوني سليم وصحيح ما ادى إلى التزام مدينيين أخريين (من كبار رجال الدولة من وزراء، موظفين، ملاك، تجار وسائر أصحاب النفوذ)بدفع ما عليهم من رسوم إستهلاك وضرائب أخرى لموازنة الدولة. مسألة تذكرنا بضرورة إتخاذ إجراءات إدارية حازمة لإستعادة أملاك الدولة التي وضعت عددا من الاحزاب والتكتلات يدها عليها منذ 2003 وما قبلها في ظل نظام حكم صدام حسين القمعي – الاستبدادي هذا من جهة ولكن ومن منظور مكمل لابد من تعزيز جهود إسترداد اموال وممتلكات العراق المنهوبة التي أتخذت اشكالا وصورا مختلفة منذ 2003 بلغت حجما كبيرا وصل إلى مايقارب 500 مليار دولار وفقا لبعض التقديرات.

حتى الان وفقا للوكيل الاقدم لوزارة العدل تحركت الحكومة العراقية مؤخرا “بشكل مكثف عبر رفع المئات من الدعاوى – القضائية- الخارجية، كما ابرمت مذكرات تفاهم بهذا الشأن كاشفا عن إبداء بعض الدول استعدادها للتعاون من خلال إعادة عقاراتها الموجودة في البلاد، مقابل عقارات العراق لديها”. مساع وجهود طيبة ولكنها لازالت متواضعة جدا لأن ما استرد منها لم يصل إلى قيمة مالية كبيرة أي لاتتجاوز ملايين الدولارات وليس المليارات. من هنا أولوية الحاجة للمزيد من الوقت ولإدارة فنية تفاوضية ناجحة دبلوماسيا وقانونيا كي تبلور صيغا قانونية أكثر الزاما في ظلإبرام إتفاقيات ومعاهدات دولية ملزمة. علما بإن الصورة المعمقة لمكافحة الفساد في العراق حاليا لازالت معقدة بل وضبابية تنتظر إرادة سياسية فاعلة معززةبجهود سياسية –إدارية وقانونية كفوءة كي تترجم من إطارها النظري إلى حقائق ملموسة على الارض تكتسب الدرجة القانونية القطعية وفي نهاية المطاف المصداقية المستحقة وطنيا ما يعزز الثقة المتبادلة بين السلطات الرسمية والشعب. إن تسليط الاضواء الاعلامية والمعلوماتية – الاستخبارية على ملفات الفساد بكل مضامينها ستكشف الفاسدين وتضعهم أمام المسآلة القانونية – القضائية طال أو قصر الزمن “طالما لاتموت العقوبة الجرمية بالتقادم”. كما أن على الجهاز البرلماني العراقي من خلال لجانه الرقابية – القانونية أن يلعب دورا فاعلا وحيويا في كشف ملفات الفساد وإيصالها للسلطتين التنفيذية والقضائية بإسرع وقت ممكن كي تستعاد أموال العراق والعراقيين المنهوبة التي هربت عبر طرق ومنافذ متعددة برا – بحرا وجوا بصورة مكنت هؤلاء الفاسدين من وضع اموالهم في ملاذات آمنةSafe Heaven Zonesبعيدا عن آليات إستردادها بطرق قانونية ودبلوماسية ميسورة. إن أستمرار نهج الفساد بمختلف صوره وأشكاله دون وجود آليات فاعلة في مجابهته قانونيا – إداريا – سياسيا وإستراتيجيا سيعمق الفجوة المجتمعية بين من يملك الثروات المالية – الاقتصادية والاخرين الذين وصلوا لحدود الفقر المدقع ما يستوجب تطبيق العدالة الاجتماعية وفقا ليس فقط للمعايير القانونية وإنما إستجابة للروح الانسانية التي ترنو لعراق يتمتع شعبه بواقع تنموي انساني أفضل بعيدا عن تسيس أو أدلجة للاوضاع المجتمعية – الاقتصادية والثقافية في بلاد الرافدين.

أخيرا يمكننا أن نتوسع وتعمق في مجريات الحديث مستقبلا عن خمس مجالات رئيسة حددتها منظمة الشفافية الدولية في مكافحة الفساد وهي القيادة، البرامج العامة، إعادة التنظيم الحكومي والوعي العام وإنشاء مؤسسات لمكافحة الفساد. ترتيبا على ذلك، نقول كلما حقق العراق مؤشرات إيجابية في تفعيل آليات مكافحة الفساد كلما تعززت العملية الديموقراطية الحقيقية ضمن إطار الحكم الرشيد Good Governance المعتمد على قيادة واعية وطنية – حكيمة وشعب ناضج متعلم. نعم قيادة سياسية جديدة تستند إلى معايير الشفافية والمحاسبة القضائية “العدلية” المتوقعة لكل من يحاول خرق منظومة القيم الانسانية وحقوق الانسان بشقيها السياسي – المدني والاجتماعي – الاقتصادي الامر الذي يعول عليها شعبنا كثيرا لإنجازكافة شروط، متطلبات واهداف التغيير الايجابي المنشود بإتجاه دولة “المواطنة – المدنية” التي تعطي فرصا متكافئة تنافسية للجميع دون أي تمييز او تمايز أومحاباة مادية أومعنوية وبصورة ينجح فيها العراق من خلال دور فاعل مؤثر لقيادته السياسية الجديدة من أن يلعب دورا إصلاحيا –مؤسسيا –شعبيا وحقيقيا في مكافحة الفساد “صنو الارهاب” بكل الطرق والاساليب السلمية – القانونية الممكنة ومن خلال التعاون وتنسيق الجهود وطنيا – أقليميا ودوليا مستفيدا من تجارب الدول التي نجحت نسبيا في تحجيم الفساد إلى درجة قصوى مكنتها من إنجاز مشروعات نهضوية للتنمية الانسانية المستدامة.

ملاحظة/ جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كاتبها…

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*